كانت الولايات المتحدة على الدوام، منذ نشأتها وبدء الهجرة إلى أراضيها ولاحقاً انتشار الرقّ في مستعمراتها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، دولةَ الأكثرية البيضاء النافذة. انتهى نوع من العبودية بـ«إعلان التحرّر» عقب انتهاء الحرب الأهلية الأميركية، ليبدأ نضال السود مِن أجل الحقوق المدنية بعدها بمئة عام. على رغم تغييرات هيكليّة أُدخلت بمرور الزمن على الممارسات، فإنها لم تنسحب بالضرورة على الذهنية العنصرية. في هذا البلد، تتكرّر على الدوام أحداث تتّخذ طابعاً عرقيّاً مع كل مأساة قتل جديدة. آخر تلك المآسي وقع الأسبوع الماضي في مدينة مينيابوليس في مينيسوتا، حين قضى جورج فلويد أثناء اعتقاله على يد شرطي طرحه أرضاً وثبّته وهو يضغط بركبته على رقبته حتّى لفظ أنفاسه. جريمةٌ أثارت احتجاجات غاضبة ضدّ وحشية الشرطة، ما لبثت أن تمدّدت إلى مختلف الولايات.

حين بدأت الأمور تخرج عن السيطرة، وقَّع حاكم مينيسوتا، تيم والتز، أمراً تنفيذياً طارئاً بتعبئة عامّة لعناصر «الحرس الوطني»، البالغ عددهم 13 ألفاً، لِلَجم «مثيري الشغب» الذين ارتكبوا أعمال نهب وأضرموا النار في منطقة سانت بول بمينيابوليس، في حين استدعت ولايات عديدة «الحرس» للمساعدة في السيطرة على الاضطرابات الأهلية التي لم تشهد الولايات المتحدة لها مثيلاً منذ سنوات. وبعد إعلان «الطوارئ»، طلب الحاكم مساعدة وزارة الدفاع التي وضعت وحدات الشرطة العسكرية في حالة تأهب، لتتمكّن من التدخُّل متى استدعت الحاجة، وإن كان القانون لا يجير لها ذلك إلّا في حالة العصيان.

لكل ولاية حرس وطني يخضع لسيطرة الحاكم المباشرة


يمكن لحاكم أيّ ولاية إصدار أمر بتعبئة «الحرس الوطني» استجابةً لكارثة طبيعية أو أخرى مِن صنع الإنسان، أو للمساعدة في مهام الدفاع الوطني. وليس شائعاً، في العادة، نشر هذه القوات لقمع تظاهرات مدنيّة. فاستدعاؤها بعد الفيضانات له حساباته، أما استدعاؤها بسبب أعمال شغب واضطرابات، فله حسابات أخرى. سيناريو مينيابوليس يشبه إلى حدّ بعيد ما جرى في فيرغسون (ميسوري) قبل ست سنوات، عقب مقتل مايكل براون برصاص الشرطة. تلك كانت المرّة الأولى التي تنتشر فيها قوات الحرس لقمع تظاهرات مدنية منذ 1992 عندما شهدت لوس أنجلس أعمال شغب على خلفية عرقيّة أيضاً. لكن الصور المنتشرة لهذه القوّات في شوارع مينيابوليس، وحديث الرئيس دونالد ترامب عن دور عسكري أكبر في المدينة، أثارا التساؤلات مجدداً في شأن ما يمكن للحرس أن يفعله للسيطرة، وهل للجيش أيّ دور.
رغم تسليحهم وتدريبهم، يقتصر دور هؤلاء على دعم قوات إنفاذ القانون. وتأكيداً، شدّد والتز، أكثر من مرّة في الأيام الماضية، على أن «الحرس الوطني ليس قوة شرطة»، فيما أكّد مساعد الجنرال في الحرس، جون جينسن، أن لديه معلومات استخبارية مِن مكتب التحقيقات الفيدرالي تشير إلى «تهديد وشيك» لقواته، لكنه لفت إلى أن مهام هؤلاء تقتصر على: حماية مبنى الكابيتول الحكومي في الولاية، تأمين مركز إنفاذ القانون في مقاطعة رامسي، تأمين مكتب الاعتقال الجنائي، مرافقة أفراد إدارة الإطفاء إلى المناطق «غير الآمنة» و«الخطيرة». ويمكن لهم أيضاً الاضطلاع بمهام تشمل خصوصاً السيطرة على الحشود، فضلاً عن استخدام السلاح لـ«الدفاع عن النفس»، على غرار القوات العسكرية.
«الحرس الوطني» يتدرب على تقنيات السيطرة على الحشود، ويستخدم الخوذ الواقية والدروع والهراوات، وهي تقنيات مصمَّمة للتخفيف من تصاعد العنف. ولا تزال عمليات إطلاق النار في جامعة كينت ستيت عام 1970، عندما قُتل أربعة طلاب وأصيب تسعة آخرون برصاص الحرس في ولاية أوهايو، ماثلة في الوعي الأميركي، إذ سلطت الحادثة الضوء على كيفية استخدام تقنيات قتالية في حدث مدني، فضلاً عن أنها حفزت الإصلاحات التي أدت إلى تطوير أساليب أقل فتكاً للسيطرة على الحشود والتدريب المصمَّم لتخفيف التوترات على أيدي وكالات إنفاذ القانون. ولكل ولاية وإقليم حرس وطني يخضع لسيطرة حاكم الولاية المباشرة.
ويعدُّ الحرس جزءاً من الجيش، لكن أفراده مدنيون لا يعملون بدوام كامل، رغم أنهم يتدربون بانتظام. وبموجب قانون ما بعد الحرب الأهلية، المعروف باسم Posse Comitatus، يُحظر على القوات العاملة أداء واجبات إنفاذ القانون، ولا يمكن إلغاء هذا الحظر إلا إذا أعلن الرئيس «حالة طوارئ وطنية». ويخدم في الحرس الخاص بالولاية أشخاص منهم: مزارعون، عمال مناجم، أطباء، محامون، مدرّسون، عمّال بريد... بعبارة أخرى: لم يرسل حاكم مينيسوتا الجيش لفرض الأحكام العرفية، بل أرسل قوات محلية للمساعدة في تهدئة الوضع. لكن مهام الحرس تتغيّر بتغيّر الظروف، نحو الأفضل أو الأسوأ.