تبنّت الدول الـ 194، الأعضاء في منظمة الصحة العالمية، قراراً في 19 أيار ينصّ على تقييم «غير منحاز ومستقل وكامل» لدور هذه الهيئة الدولية، في سياق يتصاعد فيه التوتر بين بكين وواشنطن. تتعرّض المنظمة، منذ أسابيع عدّة، لنقد أميركي حاد، واتهامات بأنها «مجرّد دمية للصين» وأنها لم تبلغ العالم بمخاطر جائحة «كورونا» في الوقت المناسب. ولا شك أن القرار المذكور يعزّز موقف واشنطن، لكنه يكرّس أيضاً مطلب «عالمية اللقاح»، الذي تحوّل إلى سلاح جيوسياسي في إطار المواجهة الصينية ــــ الأميركية. فقد أدّى رفض الولايات المتحدة وسويسرا القطعي لهذا المطلب، الذي يمنح لجميع الدول الحق في الحصول على أي لقاح ضد فايروس «كورونا» بسعر مناسب، إلى عزل موقفهما خلال اجتماع المنظمة الدولية. ينسجم هذا المطلب أيضاً مع الخطاب الذي ألقاه الرئيس الصيني في 18 أيار ردّاً على الاتهامات الأميركية حول محاولات صينية لقرصنة الأبحاث الطبية الأميركية الخاصة باللقاح. وبعد تذكيره بمشاركة بكين في السباق العالمي لاكتشاف علاج طبي يسمح في الآن نفسه بشفاء المصابين بالعدوى ويحصن ضدها، أكد شي جينبينغ أن الأخير سيصبح «منفعة عامة عالمية». هو وعد أيضاً بتخصيص بلاده مليارَي دولار على مدى سنتين لمكافحة الجائحة على نطاق عالمي.

منظمة الصحة العالمية، التي شهدت تجاذباً بين الرأيين المشار إليهما والمرتبطين بـ«الحق العام بالصحة»، حسمت موقفها بالنتيجة. لم تنجح واشنطن وجنيف في فرض رؤيتهما النيوليبرالية التي تُخضع هذا الحق لمنطق العرض والطلب للسماح للمختبرات الطبية بتحقيق أرباح ضخمة، وتعارض أي ضبط للأسعار، على الرغم من إعلان الأميركيين تحقيق تقدّم واعد في الأبحاث الهادفة إلى إنتاج لقاح ضد فايروس «كورونا». لقد انتصرت وجهة النظر الصينية التي تعتبر أن «الحق العام بالصحة» يشمل جميع الشعوب داخل المنظمة. وفي الأسابيع الأخيرة، تكاثرت المبادرات في الاتجاه ذاته، كمشروع «أكت أكسيليرايتور» الهادف إلى تعزيز التعاون العالمي لتسريع عملية تطوير وإنتاج علاج للفايروس ولقاح ضده وضمان حصول جميع دول العالم عليهما.
لكن الإجماع العالمي، الذي تبدّى من خلال قرار منظمة الصحة، لم يخفّف من حدّة المواجهة الجيوسياسية بين بكين وواشنطن، التي تصرّ، دون التمكّن من إنفاذ ما تريده حتى اللحظة، على إعادة ضم تايوان إلى المنظمة كعضو مراقب. وتأتي هذه المحاولة الجديدة للحد من نفوذ الصين داخل المنظمة بعد تجميد الولايات المتحدة تمويلها واتهامها بإدارة الأزمة الصحية وفقاً لمصالح هذا البلد. وكان دونالد ترامب قد هدّد، في رسالة لرئيسها قبل 10 أيام، بتعليق تمويلها لمدّة غير محدّدة إذا لم تشرع بعملية إصلاح في فترة لا تتعدّى الشهر، قبل أن يسارع أمس إلى إعلان إنهاء العلاقة مع المنظمة. تساهم واشنطن بما يوازي الـ 22% (حوالى 500 مليار دولار سنة 2019) من ميزانية المنظمة، بينما تقدّم الصين ما يقارب الـ 12% منها. لكن تداعيات تنفيذ هذا التهديد ستكون رمزية أكثر مما هي فعلية لأن النسبة الإجمالية للمساهمات الإلزامية للدول لا تمثّل سوى 20% من الميزانية الإجمالية التشغيلية لمنظمة الصحة العالمية. وبما أن 80% من هذه الأخيرة توفّرها مساهمات طوعية، فإن واشنطن ستحرمها فقط من 22% من الـ 20%، وسيكون لذلك تأثير محدود على المنظمة. تعكس رغبة الولايات المتحدة بمعاقبة المنظمة، التي تتناقض مع ما درجت عليه من استغلال للمنظمات الدولية لخدمة مصالحها السياسية والاقتصادية، توترها المتزايد نتيجة اضطرارها إلى التأقلم مع النفوذ المتعاظم للصين داخل هذه المنظمات.
في الواقع، إن الأزمة الصحية العالمية تؤجّج الصراعات الجيوسياسية العميقة والكامنة وتكشفها للعيان. ويضاف إلى التوترات التجارية والتكنولوجية التي تحتدم مع توسّع دوائر نفوذ الصين وسعيها لقيادة مسار الخروج من الأزمة الحالية على النطاق الدولي، توتر على الجبهة القانونية. فالعديد من الولايات والشركات الأميركية تحضّ واشنطن على مقاضاة بكين، وتحميلها مسؤولية انتشار الجائحة ومطالبتها بالتعويض على الأشخاص المصابين بالعدوى.