لندن | لو تسنّى للمفكر الماركسي المصري سمير أمين أن يبقى معنا إلى اليوم، لكان أكثرنا حبوراً وهو يشاهد «فورتشين»، أولى ناقلات النفط الإيرانيّة الضخمة، تدخل المياه الإقليمية لفنزويلا برعاية قطع البحريّة والمقاتلات البوليفاريّة الألوان، والرئيس نيكولاس مادورو يحيي الإيرانيين على الهواء بـ»سلامٌ عليكم». فهذه الصفعة القاسية التي تلقّتها واشنطن، على الأقل وفق وصف الصحف العبريّة أوّل من أمس، بدت في رمزيتها العميقة ووعودها الاستراتيجيّة وكأنها فاتحة لحلم أمين في كسر الهيمنة الأميركيّة على العالم، من خلال تحالفٍ مناهض بين دول الجنوب، يُقصي مركزيّة الغرب الإمبريالية، ويمنح أملاً للمهمّشين وشعوب الأطراف.

السفن الخمس التي تعاقدت عليها كاراكاس تبلغ قيمة حمولتها 46 مليون دولار أميركي تقريباً، وتكفي كلّ منها حاجة البلاد من النفط المكرّر لـ10 أيّام على الأقل تمنح الحكومة وقتاً ثميناً هي في أمس الحاجة إليه، نظراً إلى تعطّل مصافي التكرير الكبرى بسبب الحصار الخانق على توريد قطع الغيار الأساسية ومواد تخفيف اللزوجة الضرورية لضخ النفط، ولا سيّما بعد الانسحاب الذليل لعملاق الطاقة الروسي «روسنفت» من عملياته الفنزويليّة، إثر فرض السلطات الأميركيّة عقوبات على اثنتين من شركاته.
وكانت «روسنفت» تتولّى إلى وقت قريب إدارة 60% من الإنتاج النفطي في الجمهورية، وتزوّدها بكامل حاجة سوقها المحلي من مشتقات النفط المكرّر (الديزل والبنزين).
وتأتي هذه الصفقة مع طهران في سياق تفاهم أوسع يتضمّن أيضاً تقديم مهندسين إيرانيين مساندة تقنيّة ومعدّات لإعادة مصفاة التكرير الأكبر في البلاد إلى العمل مجدّداً بعد خروجها من الخدمة منذ العام الماضي. وتحاول واشنطن إعاقة هذه الخطط، من دون نجاح إلى الآن على الأقلّ، عبر إقناع دول يعبرها جسر جوّي بين طهران وكاراكاس بمنع تحليق رحلات شحن قد تحمل قطع غيار ومواد أساسية لصناعة النفط الفنزويلية تمنع واشنطن توريدها.
السّعار الأميركي الذي قاده الرئيس دونالد ترامب، شخصياً، في مواجهة أنباء إبحار الناقلات الإيرانيّة، وتهديده المتشنّج بمنع وصولها ولو بالقوّة، يأتيان في سياق الحرب الأميركية المستمرّة ضد النظام البوليفاري منذ أكثر من 20 عاماً، والتي تعاظمت بعد فرض حصار اقتصادي وبحري وجوّي خانق في 2017، في محاولة لمنع إعادة انتخاب نيكولاس مادورو، خليفة القائد التاريخي هوغو تشافيز، في دورة الانتخابات الرئاسيّة للعام 2018 (وهو ما حدث بالفعل في أيار\مايو من ذلك العام ومنحه تفويضاً شعبياً لست سنوات قادمة تنتهي في 2025)، فضلاً، بالطبع، عن دعم قوى المعارضة اليمينية في البلاد، وتكرار إثارة القلاقل وأعمال العنف المجانيّ، بل وتدبير محاولة لاغتيال الرئيس مادورو وكبار مساعديه خلال عرض عسكري في العاصمة.

«فورتشين» وأخواتها تقدّم درساً عمليّاً للأمم والشعوب المعاصرة لتصوّر عالم بديل


الإيرانيّون، الذين أظهروا صلابة استثنائيّة في وجه التهديدات باعتراض ناقلاتهم في الكاريبي (ملعب البحرية الأميركية الأثير، التي نفّذت ضد الناقلات الإيرانيّة أكبر انتشار لها في الكاريبي منذ غزو بنما في 1989)، لعبوا أوراقهم بهدوء وثقة، وأعلنوا أن أي اعتداء من هذا النوع سيواجه بردّ فوري ومماثل ضد السفن والقطعات البحريّة الأميركية في الخليج، في نسق تكرّس خلال أزمة الناقلة الإيرانية المتجهة إلى سوريا، والتي كانت احتجزت لبعض الوقت في جبل طارق وردّت عليها طهران باحتجاز سفينة بريطانية لم يفرج عنها إلا بعد أن تابعت ناقلتها مسارها نحو ميناء طرطوس شرق المتوسط، ولاحقاً في قصف معلن لقاعدة «عين الأسد» الأميركية في العراق كردّ أوّلي على اغتيال الجنرال قاسم سليماني.
بالطبع لا أحد لديه أوهام بشأن قدرة طهران الفعليّة على تقديمها شريان حياة مستمراً لكاراكاس، ومواجهة عربدات أميركيّة محتملة في وقت تتعرّض فيه طهران نفسها لحصار خانق، وتتخاذل دول كبرى من حجم روسيا والصين عن تقديم دعم كاف يمكّن الفنزويليين من عبور هذه المرحلة من حرب واشنطن بأقل الخسائر، حرصاً على عدم استفزاز الإمبراطوريّة الفاجرة في حديقتها الخلفيّة (وفق عقيدة النخبة الأميركية). كما ليس لدى أحد أوهام بشأن اللون الديني للدولة الإيرانية أو بنيتها الرأسمالية الطابع (وإن طُعّمت بنكهة اشتراكية في بعض القطاعات). لكن هذا كله لا يقلّل بحال من المعنى الرمزي العميق لوصول الناقلات قرأه العالم بأسره، ولا سيما في أروقة الإدارة الأميركية ذاتها، وإن تعامى عنه كثيرون في الشرق الأوسط تحديداً، والذي هو بمثابة كسر لحاجز الصوت مسّ سقوف الهيمنة الأميركية الثلاثة معاً، كما وصفها سمير أمين: التفوّق العسكري الساحق، ومرور المنظومة الاقتصادية للعالم حصراً عبر المركز الغربي (الولايات المتحدّة وأوروبا الغربية واليابان) حتى عند التجارة بين الدول الأطراف في الجنوب، وسيطرة الدولار الأميركي، العديم القيمة الفعلية، على التبادلات النقديّة للعالم.
فالإيرانيّون، بناقلاتهم التي سافرت علناً آلاف الأميال البحرية باتجاه فنزويلا، تحدّوا الجبروت العسكري الغربي وما التزموا بالحصار اللصيق، وحوّلوا التموضعات العسكرية الأميركية في الخليج إلى عبء استراتيجي تام على كاهل واشنطن. وهم في صفقتهم الفنزويلية المفعّلة عبر خطوط إمداد جوي وبحري متطاولة تعاقدوا مباشرة من دولة جنوب إلى دولة جنوب لتقديم مواد وتقنيّات حسّاسة لم تمرّ بالمطلق عبر شبكة الرأسمالية الأميركية المعولمة. وهم دشّنوا كذلك سيرة تبادل القيمة في سوق النفط بين دول الجنوب غير النووية من دون تحويلها إلى نقد أميركي يكرّس هيمنة واشنطن لحظياً.
ليست هذه الصفقة سوى فاتحة حلم، وما زلنا واقعيّاً بعيدين عن بناء كتلة تراكم نوعي بين دول الجنوب يتيح تأسيس عالم مواز أكثر عدالة في مواجهة الإمبريالية الغربيّة التي تتغذّى حصراً من خضوع الأطراف للهيمنة. ولن تصبح طهران غداً يوتوبيا اشتراكيّة، وكثيرٌ مما تقوم به حافزه الأساس الدفاع عن النفس، وربّما لن تخرج فنزويلا من محنتها سريعاً، لكن «فورتشين» وأخواتها تقدّم درساً عمليّاً للأمم والشعوب المعاصرة لتصوّر عالم بديل مستقل عن الإمبرياليّة وتحدّد أركانه على الأرض. عالم رآه الراحل أمين رأي العين لكنّه كاد يتلاشى من بعده.
ستُدرس هذه الصفقة معمّقاً، في بكين وموسكو، كما في برلين وطوكيو، وسينتظر الجميع طبيعة النقلة التالية من الطرفين: الأميركي والإيراني كليهما. فالأميركي، الذي قد تكون خذلته حسابات اللحظة الآنيّة، لن يقبل بتأسيس مزاج عالمي يتبع الخدش الإيراني لهيمنته علناً، ويمكن أن يتضخّم فيهدّد أعمدة الإمبراطورية المعولمة من قواعدها. والإيراني لن يصبح أكثر ليناً بعد اجتياز حاجز الصوت هذا، ولا شكّ في أنّه اكتسب مزيداً من الثقة في مواجهة حصاره، فيما يرتفع منسوب الأمل شرق المتوسط في تأسيس مزاج جديد لتضامن جنوب – جنوب مع دمشق التي تكافح سياسة خنق اقتصادي أميركية أقسى من نموذج الحصار على فنزويلا، يشارك فيها العالم الخانع، وينفّذها بكفاءة غير معهودة عنهم حرس الهيمنة في المنطقة: الإسرائيليون، والنظامان التركي والأردني، وسياسيون وقوى في لبنان والعراق وشمال سوريا. «فورتشين» ناقلة نفط قدّر لها أن تدخل التاريخ.