التطوّرات الدولية في السنوات الأخيرة تحمل أنباء غير سارة بالنسبة إلى قطاع واسع من العاملين في ميدان «الترويج للديمقراطية» على النمط الأميركي والطامحين بالعمل فيه على حدّ سواء. عدد كبير من وسائل الإعلام ومن المنظمات غير الحكومية والجمعيات المحلية يرى منذ فترة ضمور ميزانياته، والأمور مرشّحة لأن تزداد سوءاً في السنوات المقبلة. لقد انتهى عصر «القوة الناعمة» الذي بزغ بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومعسكره الاشتراكي وما تلاه من هيمنة أحادية أميركية ظنها البعض أبدية.

اعتقد هؤلاء أن التاريخ انتهى بانتصار نموذج «ديمقراطية السوق»، وأن العالم ستعاد صياغته على صورته. هذا هو السياق الجيوسياسي والفكري الذي تبلور فيه مفهوم «القوة الناعمة». غياب أي «منافس من المستوى نفسه» على الصعيد الدولي كان من المفترض أن يسمح للولايات المتحدة، القوة الخارقة التي تمتلك جميع أدوات القوّة الصلبة والناعمة، بحسب جوزيف ناي، المفكر الذي صاغ جميع هذه المفاهيم، أن تحمل بقية دول العالم على أن تحذو حذوها، ليس بالقسر وحده، ولكن أيضاً بجاذبية نموذجها التي لا تقاوم، إلا من الأشرار والطغاة بطبيعة الحال. وفي سنة 1991، التي صدر فيها كتاب ناي الشهير «ملزمون بالقيادة» الذي تضمّن جميع الابتكارات النظرية والمفهومية المشار إليها، أسرّ ألن وينشتاين، المؤرّخ الأميركي الذي أصبح أوّل رئيس للوقفية الوطنية للديمقراطية، المكلّفة بالدفاع عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، أن مؤسّسته «تقوم اليوم بقسم كبير مما قامت به المخابرات المركزية الأميركية في الـ25 سنة الماضية». من يعرف الدور المحوري الذي لعبته هذه الوقفية، ومثيلاتها من المؤسّسات الأميركية، في تمويل ودعم آلاف المنظّمات والجمعيات والوسائط الإعلامية والرقمية والشخصيات عبر العالم، يدرك أهمّيتها المركزية في الاستراتيجية العامّة لواشنطن. لكن التحوّلات الهائلة في موازين القوى الدولية وعودة «التنافس بين القوى الكبرى» تقودان حالياً إلى اللجوء مجدداً إلى أدوات القوّة العارية، كالانقلابات العسكرية والاغتيالات والحروب الهجينة وبالوكالة، بدلاً من تلك الناعمة، وما حصل في السنوات الأخيرة في بعض دول أميركا اللاتينية أو حيال إيران هو الترجمة الميدانية لهذا التبدّل.

النعومة والوحشية في العلاقات الدولية
تأتي المحاولة الانقلابية الفاشلة الجديدة التي تورّطت فيها المخابرات الأميركية في فنزويلا، بعد أخرى فاشلة وقعت بإيعاز منها في بداية عام 2019 وسلسلة انقلابات ناجحة تمت بإشرافها في السنوات الماضية في بوليفيا والإكوادور والبرازيل. لم تحتمل واشنطن وصول قوى وطنية جذرية إلى السلطة عن طريق الانتخابات في ما كانت تعتبره حديقتها الخلفية، وشروعها في إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية لمصلحة شعوب هذه البلدان، لتحريرها من أسر التبعية وما ينجم عنها من إفقار وخراب مقيم وخروج من التاريخ. غير أن ما مثّل حافزاً حاسماً لاعتماد أميركا لنفس الأساليب القذرة التي استخدمتها خلال الحرب الباردة هو سعي هذه الأنظمة الوطنية لتنويع شراكاتها الدولية، عبر تطوير تعاونها مع الأطراف غير الغربيين الصاعدين، وفي مقدّمتهم روسيا والصين. تثير هذه السياسة الأميركية، القديمة/الجديدة، تحذيرات جدّية في بعض أوساط النخبة المعنية بالشؤون الدولية والخارجية في هذا البلد. هال براند، الأستاذ في «معهد الدراسات الدولية» في جامعة «جون هوبكينز» والباحث في «أميركان إنتربرايز أنستيتيوت»، المقرّب من المحافظين الجدد، رأى في مقال على موقع يومية «جابان تايمز» أن «التنافس بين الولايات المتحده والصين، وبدرجة أقل مع روسيا، يحتدم ويمتد جغرافياً. بعد بضع سنوات، قد تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى التورّط في عمليات خاصة للحؤول دون انحياز دول مهمّة في أفريقيا جنوب الصحراء والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا لبكين. إذا بدا هذا الاحتمال غير واقعي بنظر البعض، فما عليهم سوى التمعّن في المدى الذي بلغه التوتّر في السنوات الثلاث الأخيرة بين الصين والولايات المتحدة والمسار الذي سيفضي إليه في العقد القادم. عليهم أن يتذكروا أيضاً أن صنّاع القرار الأميركيين في أواخر أربعينيات القرن الماضي لم يتصوّروا يوماً أنهم سيجبرون على خوض صراع ضار ومعقّد في أنغولا بعد ربع قرن من ذلك التاريخ. فإحدى ثوابت السياسة الدولية هي أن التنافس الاستراتيجي قد يقود الدول إلى بقاع لم يتوقّعوا مسبقاً الذهاب إليها ولم يرغبوا في ذلك».
منذ نهاية الحرب الباردة، حصرت واشنطن حروبها وتدخلاتها العسكرية في الفضاء العربي - الإسلامي، باستثناء حرب كوسوفو سنة 1999، و«تحمّلت» التحوّلات الديمقراطية في أميركا اللاتينية ظناً منها أن التيارات الوطنية التي تسلمت السلطة لن تقوى على تهديد هيمنتها الاستراتيجية والاقتصادية على بلدانها بسبب افتقادها ظهيراً دولياً. تبدّلت الظروف إلى حد كبير الآن، وبمعزل عمّا إذا كان يمكن اعتبار روسيا والصين بمثابة ظهير دولي في مواجهة الولايات المتحدة أو مجرد حليف مرحلي، فإن ما لا شك فيه هو اتساع هامش المناورة أمام القوى الوطنية في دول الجنوب، مقارنة بما كانت حالتها في مرحلة الأحادية الأميركية، وازدياد قدرتها على الإفادة من التناقضات الدولية في صراعها مع واشنطن، عدوّها الرئيسي. تشن هذه الأخيرة منذ سنوات هجوماً مضاداً ومسعوراً، سعياً لوقف هذا المسار واستعادة السيطرة. وفي ظل تراجع قدرتها على خوض الحروب المباشرة الطويلة الأمد، إثر التجربتين المكلفتين في أفغانستان والعراق، فإن الحروب القذرة، أي الانقلابات والعمليات الخاصة والاغتيالات، هي أداتها الوحيدة الباقية.

ما يترتّب على عودة التوحّش
هذا التوحّش الأميركي، الذي يستند بدرجة كبيرة على وكلاء يعتمد عليهم في مثل هذا السياق؛ أجنحة داخل بعض الجيوش، عصابات مسلحة، قوى يمينية فاشية، سيؤجّج الصراعات السياسية والاجتماعية داخل العديد من الدول ويحوّلها إلى نزاعات. وفي أفضل الأحوال، ستصبح الأدوات المحلية لـ«القوة الناعمة»، من منظمات ووسائل إعلام، رديفاً للأوغاد والقتلة الذين لا بد منهم من أجل الانتصار في المعارك الصعبة المقبلة. سيُفقدها هذا الأمر من دون ريب صدقيتها بالكامل، ويعطب قدرتها على أداء الدور الذي أنشئت لأجله، أي الترويج للديمقراطية وغيرها من الفقاعات الأيديولوجية التي أضحت في الواقع الدولي الحالي فاقدة للصلاحية.