انعقدت آمال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، طوال سنوات ولايته الأولى، على الوضع الاقتصادي «الجيّد»، الذي شكّل حتى وقت قريب جداً بطاقته الرابحة للعبور إلى ولاية ثانية. غير أن آماله تبدّدت بفعل الأزمة الصحيّة التي أودت بما يزيد عن 77 ألف أميركي، وأرغمت الإدارة على فرض تدابير حجر سدّدت ضربة قوية إلى الاقتصاد الأول في العالم. ومنذ انتخابه رئيساً، مثّل الاقتصاد أولويةً لرجل أعمالٍ طبّق سياساته استناداً إلى شعار «أميركا أولاً»، ليصبح رافعته الحقيقية وأمله الوحيد للبقاء في البيت الأبيض أربع سنوات إضافية، بعدما أخفق في إحداث خرق على مستويات أخرى، أبرزها سياسة بلاده الخارجية. فشلٌ أضيف إليه آخر بعنوان الرغبة عن الاستجابة لمتطلّبات الوباء العالمي، لمَا قد تحدثه تدابير الإغلاق من ضرر على مستوى الفورة الاقتصادية التي رافقتها معدّلات توظيف مرتفعة جعلت مِن معدلات البطالة عند 3.5%.

كثيراً ما ذكّر ترامب بأن إدارته تمكّنت من الحفاظ على هذه النسبة، وأن انكبابه على العمل للمصلحة العامة سيجعل منه الخيار شبه الوحيد للناخبين. شيئاً فشيئاً، انهارت إنجازاته، وبدأت استطلاعات الرأي تُظهر تأخُّره خلف منافسه المُفترض، نائب الرئيس السابق جو بايدن. رغم ذلك، لا يزال ترامب يعوّل على عودة الحركة إلى العجلة الاقتصادية للدفع في اتجاه انتخابه. وضمن مساعيه لتبديد قلق الناخبين، أفرج أخيراً عن توقّعاته الاقتصادية: سيكون الربع الثالث من هذا العام مرحلة «انتقالية»، وسيسجّل الربع الأخير «أرقاماً استثنائية»، على أن يكون العام المقبل «مُذهلاً».

ارتفعت معدلات البطالة إلى أعلى مستوياتها منذ الكساد الكبير


التوقيت السيئ في عام الانتخابات، معطوفاً على تجاهل الإدارة، فاقم الأزمة الصحية إلى درجة حوّلت الولايات المتحدة إلى أكبر بؤرة للعدوى والوفيات في العالم. وفيما يزداد الوضع قتامةً، يردّد ترامب أن علاج الوباء لا يمكن أن يكون أعلى من تكلفته. والنتيجة الأولى لإغلاق الاقتصاد هي الركود رغم ضخّ تريليونات الدولارات لتحفيزه، خُصّص منها ما يوازي 669 ملياراً كمنح وقروض للشركات الصغيرة والمتوسطة، لمساعدتها على دفع رواتب الموظّفين. مع ذلك، خسر الاقتصاد الأميركي 20.5 مليون وظيفة في الشهر الماضي، لترتفع نسبة البطالة إلى أعلى مستوياتها منذ الكساد الكبير، مسجّلةً 14.7%، ارتفاعاً من 4.4% في آذار/مارس، مع الأخذ في الاعتبار توقُّف احتساب النسب الشهرية في اليوم الـ12 مِن كل شهر. ووفق التقرير الشهري لوزارة العمل «انخفض التوظيف بشدّة في جميع القطاعات الرئيسية، مع خسارة مهمّة للوظائف، وخصوصاً في (قطاعَي) الترفيه والفنادق»، ما يكسر المستوى القياسي المُسجّل بعد الحرب العالمية الثانية، البالغ 10.8%.
تعزّز الأرقام السلبية توقّعات المحلّلين بتعافٍ بطيء من الركود الناجم عن الوباء، وتُضاف إلى مجموعة من البيانات القاتمة في شأن إنفاق المستهلكين واستثمارات الشركات والتجارة والإنتاجية وسوق الإسكان. لكن الرئيس الأميركي يقلّل من شأن أرقام البطالة، «المتوقّعة» و«غير المفاجئة»، بينما يواصل عدد المتعطّلين عن العمل ارتفاعه، مع رفده أسبوعياً بمسجّلين جدد. وقبل يوم من صدور تقريرها، أعلنت «العمل؛ أن أكثر من ثلاثة ملايين شخص انضمّوا الأسبوع الماضي، للمرة الأولى، إلى لوائح المطالبين بتعويضات البطالة، ليناهز عدد هؤلاء 33.5 مليون أميركي، بعدما كان 1.7 مليون قبل الوباء. وبلغت هذه الإحصاءات الأسبوعية ذروتها في نهاية آذار/مارس، مع إحصاء نحو 6.8 ملايين متعطّل، إذ تنخفض الأرقام مذّاك لكن ببطء.
فقدان الوظائف بدأ في قطاع الخدمات لكنه انتشر بسرعة في كل القطاعات. ورغم أن معدل البطالة في نيسان/أبريل بدا مروّعاً، يؤكّد خبراء الاقتصاد أن الأرقام الرسمية تجافي الواقع، وتقلّل من حجم الخسارة الحقيقية في الوظائف. ويستند هؤلاء إلى كون الوزارة المعنية جمعت بياناتها في منتصف الشهر الماضي، لكن حالات التسريح من العمل واصلت ارتفاعها منذ ذلك الحين. يضاف إلى ما سبق أن بيانات البطالة الرسميّة لا تحتسب إلا الذين يبحثون عن وظائف، وهو أمر صعب في وقت يتم فيه تشجيع الأميركيين على البقاء في المنزل. ما يبدو واضحاً، حتى الآن، بالنظر إلى لوائح المطالبين بتعويضات البطالة واستطلاعات الرأي، أن ذوي الأصول اللاتينية والأميركيين من أصول أفريقية والعمّال ذوي الدخل المحدود في المطاعم وتجارة التجزئة هم الأكثر تضرراً.