تمكَّن رئيس الحكومة الإسرائيلية المستقيلة، بنيامين نتنياهو، من إحكام «الحصار» حول المحكمة العليا عبر التفاف قطاع واسع من الجمهور حوله، وخاصة من جدّد انتخابه وكذلك معسكر اليمين الملتفّ حوله في ثلاث محطات انتخابية متوالية خلال أقل من سنة، إذ عطَّل في ضوء النتائج التي أفرزتها المؤسستان التنفيذية والتشريعة تشكيل الحكومة، إلى أن تمكن من تفكيك المعارضة وبلورة اتفاق يتوّجه رئيساً.

في ضوء هذه الوقائع، نجح نتنياهو في وضع القضاء والكنيست والطبقة السياسية أمام خيارين: إما الإقرار وشرعنة تولّي متّهم بالفساد رئاسة الحكومة، وإما الدفع نحو سيناريو سيكون مكلفاً لإسرائيل على المستويات كافة. في حال سيناريو الانتخابات، وهو مستبعد، سيؤدي ذلك إلى كباش قاسٍ بين معسكر اليمين الذي يستند إلى جمهور واسع، وبين المؤسسة القضائية المتهمة بمصادرة قرار الجمهور. وبحسب آخر استطلاعات الرأي، من المرجح أن ينجح نتنياهو ومعسكره في نيل غالبية 61 عضو كنيست دون الاستناد إلى تحالف مع كتلة «أزرق أبيض» برئاسة بيني غانتس، أو غيرها.
لذلك، يواصل نتنياهو ضغوطه عبر وضع الشعب في مواجهة القضاء: «في دولة ديموقراطية الشعب هو الذي يحدد مَن يقوده، ولقد انتُخبت بغالبية الأصوات. ونال الحزب الذي أترأسه أكبر عدد من الأصوات من أي حزب آخر. هناك غالبية كبيرة من الجمهور تريدني أن أقود الحكومة، وهناك غالبية كبيرة في الكنيست تريد ذلك، وهذا ما يجب أن يحدث». هذه المواقف تشي أنه في حال التدحرج نحو انتخابات جديدة سيعمد نتنياهو إلى استنفار الجمهور اليميني للتكتل وإلغاء قرار المؤسسة القضائية. ولتحقيق هذه المهمة، يحتاج إلى 61 عضواً ينتمون إلى اليمين. وفي هذه الحالة، يستطيع أن يسنّ قانوناً يجرّد «العليا» من بعض صلاحياتها وإطلاق يد الكنيست، بل يسمح له بتشكيل حكومة دون تنازلات لـ«أزرق أبيض».

إن منع نتنياهو عن ترؤّس الحكومة، فسيعمد إلى استنفار الجمهور اليميني


وكانت المحكمة قد استمعت إلى ادعاءات مؤيدة ومعارضة للسماح لنتنياهو بتولي رئاسة الحكومة، رغم اتهامه في ثلاث قضايا فساد. واستمعت لجنة موسعة مكونة من 11 قاضياً، كانوا يرتدون أقنعة ومع فواصل بلاستيكية شفافة بينهم، أولاً لممثلي «الليكود» و«أزرق أبيض» وأطراف أخرى من الحكومة المعنية، الذين حثّوا المحكمة على ألّا تتدخل في تعيين نتنياهو. وفي أعقاب ذلك، استمعت رئيسة «العليا» إلى الملتمسين الذين ادّعوا بأن القضاة ملزمون التدخل، وتم بث الجلسات على الهواء مباشرة. وكان لافتاً أن رئيسة القضاة، إستر حايوت، طالبت مقدمي الالتماس بتقديم أساس لمطلبهم: «قدموا شيئاً! قانوناً! حكم من [تاريخ] هذا البلد! من [مكان آخر] في العالم!»، مضيفة: «في نهاية الأمر [أنتم تطلبون منا أن نضع] سابقة عالمية! هل تريدون أن نحكم دون أساس وببساطة وفقاً لرأيكم الشخصي»، وهو ما قد يشير إلى اتجاه المحكمة إلى السماح لنتنياهو بتولي رئاسة الحكومة.
مع ذلك، وجّهت «العليا» انتقادات إلى بنود الاتفاق بين «الليكود» و«أزرق ابيض»، الذي رأى نتنياهو أنه تم «وضعه بدقة، وبحذر كبير جداً، وبمسؤولية كبيرة»، محذراً من أن زعزعته يمكن أن تؤدي إلى زيادة فرص الانجرار إلى انتخابات رابعة، مستدركاً: «آمل ألا تفعل المحكمة العليا ذلك». على خلفية هذه الانتقادات، قرر «الليكود» و«أزرق أبيض» إلغاء البند المتعلق بتجميد سن قوانين في الكنيست لستة أشهر، كما أعلنا أن مدة تجميد تعيين مسؤولين في السلك الحكومي ستنخفض من ستة أشهر إلى مئة يوم. وقررا أيضاً التنازل عن «القانون النرويجي» الذي يقضي باستقالة أعضاء كنيست لدى تعيينهم في مناصب وزارية من أجل دخول أعضاء كنيست جدد من قائمتهم مكانهم. كما اتفقا، في أعقاب الانتقادات، على خفض الغالبية المطلوبة لتغيير الاتفاق الائتلافي، من 75 عضو كنيست إلى 70.
وكانت النيابة العامة قد دعت إلى ألا يكون بإمكان نتنياهو تعيين مسؤولين في جهاز تنفيذ القانون في حال بقائه في منصبه، مبررة ذلك بأن لائحة الاتهام ستضعه أمام تناقض مصالح عندما يتعامل مع تعيين مسؤولين في «إنفاذ القانون». مع ذلك، رأت النيابة أن من المشكوك فيه أن يكون لدى رئيس الدولة إمكانية ألا يوافق على طلب 61 عضو كنيست، بل بإمكانه مراجعة أمور تقنية مثل صحة التواقيع أو في حال حصول عضو كنيست على رشوة مقابل توقيعه على التوصية. بالموازاة، رأت مندوبة المستشار القضائي للكنيست، أفيطال سومبولبنسكي، أن تكليف عضو تشكيل الحكومة هو «قرار سياسي بارز للغاية وليس من الصواب إخضاعه لنقد قانوني»، ما يعني أنه ليس من صلاحية «العليا» تعطيل هذا القرار.
في كل الأحوال، يتّسم قرار المحكمة بطابع تأسيسي، سواء سمح لنتنياهو أو منعه من تشكيل الحكومة. في الحالة الأولى، يكون قد أسّس لمسار يحقّ بموجبه لمتهم بقضايا جنائية بترؤس الحكومة، وهو بمعايير الساحة الإسرائيلية تقويض للطابع الديموقراطي للنظام السياسي، ويعود ذلك إلى صعود اليمين بنسخته الجديدة، اليمين الخلاصي والاستيطاني الذي يتميز بتغليب الهوية اليهودية على نحو متطرف على العنوان الديموقراطي. وفي الحالة الثانية، يكون قد حصَّن النظام من هيمنة هذا المعسكر، لكنه قد يتسبب في توترات اجتماعية وسياسية على خلفية المواجهة بين ركيزتين في النظام الإسرائيلي: الطابع الديموقراطي والهوية اليهودية ــــ الصهيونية (إسرائيل تقدم نفسها أنها دولة يهودية ديموقراطية).