لم ينجح رئيس تحالف «أزرق أبيض» المتفكّك، بيني غانتس، ولا رئيس حزب «الليكود»، بنيامين نتنياهو، في إحداث اختراق جدي حول القضايا الخلافية المتبقية، خلال الساعات الـ48 التي منحها لهما الرئيس الإسرائيلي، رؤوبين ريفلين، بما يسمح بتأليف حكومة تلبّي مطالب الطرفين. لكنهما لا يزالان يواصلان المفاوضات، في ظل تساؤلات عن حقيقة ما يريده نتنياهو، إذ لا يعني انتهاء المهلة سوى تمديد إضافي تلقائي بحكم القانون الذي يمنح 21 يوماً للكنيست من أجل الاتفاق على رئيس الحكومة عبر تأييد 61 عضواً. ويعكس قرار ريفلين نقل تفويض تأليف الحكومة إلى الكنيست، بعد إخفاق غانتس ونتنياهو، رفضه تمديد المهلة لهما مرة ثانية، ما يعني أنه لم يقتنع بأن الطرفين بلغا نقطة اللاعودة في الطريق إلى الحكومة، على أن ذلك أيضاً يهدف إلى زيادة الضغط عليهما لتقليص مساحة المناورة لديهما. كما أنه أكد عملياً رفضه تفويض نتنياهو المهمة بذريعة أنه لا يملك الغالبية التي تسمح له بذلك، وهو بذلك يسلبه ورقة قوة كان يمكن له استخدامها خلال المفاوضات الائتلافية.

وكما نقلت صحيفة «هآرتس»، لا تزال القضايا الخلافية تتمحور حول لجنة تعيين القضاة وقانون تحصين مدة التناوب في رئاسة الحكومة. وبمزيد من التفصيل، ذكرت تقارير إعلامية أخرى، نقلاً عن مصادر في «أزرق أبيض»، أن مندوبي «الليكود» طرحوا خلال المفاوضات المزيد من المطالب التي تهدف إلى تقييد «المحكمة العليا» ومنعها من التدخل في مكانة نتنياهو في حال كان رئيس حكومة أو قائماً بالأعمال. في المقابل، ردّ مندوبو «أزرق أبيض» بأنهم يريدون «حكومة طوارئ قومية» لا بحث مشكلات نتنياهو القضائية. لكنهم في الحزبين، والكلام لـ«هآرتس»، يشعرون بأن الفجوات بين الطرفين صغيرة، لكن السؤال المفتوح هو: هل نتنياهو معني بالتوصل إلى اتفاق أو يريد أن يربح المزيد من الوقت؟ يرون في «أزرق أبيض» أنه على رغم الأجواء الإيجابية في اللقاءات، فإن الشكوك تحوم حول نية نتنياهو الحقيقية، لكونه قد لا يكون معنياً بأن يتولى غانتس رئاسة الحكومة خلال سنة ونصف. وهو يتذرع في هذا السياق بأن قانون التناوب لا يمنحه بطاقة تأمين بسبب قرار «العليا» الذي قد يسلبه حق تولي رئاسة الحكومة بعد تقديم لائحة الاتهام بحقه. وللخروج من هذا المأزق، بحث الطرفان حلولاً وسطاً مختلفة، من ضمنها حل الكنيست وإجراء انتخابات مبكرة في حال رفضت المحكمة تولي نتنياهو الرئاسة. إضافة إلى ذلك، يُصرّون في «الليكود» على ألّا يحترموا التقليد المتّبع بأن تضم لجنة تعيين القضاة عضواً من الائتلاف الحكومي وعضواً من المعارضة.
في لعبة عض الأصابع، يلوّح الطرفان ضمناً بورقة الضغط التي يملكها كل واحد. فمن جهة، يمكن لنتنياهو أن يضع العراقيل أمام تأليف الحكومة لكسب المزيد من الوقت في منصب رئاسة الحكومة (الانتقالية المستمرة منذ أكثر من 15 شهراً) على أمل أن ينال غالبية 61 عضواً في الانتخابات المقبلة بعدما تفكك التحالف المعارض له. وفي المقابل، يملك غانتس نظرياً غالبية تسمح له بسن قانون في الكنيست قبل إجراء الانتخابات يمنع نتنياهو من ترؤس الحكومة لكونه متّهماً بالفساد، لكن ذلك مشروط بموافقة العضوين يوعاز هندل وتسفيكا هاوزر اللذين انشقا عن «أزرق أبيض» قبل ثلاثة أسابيع. أمام هذه المعطيات والخيارات، أعادت كتلة «يوجد مستقبل ــ تيلم»، برئاسة موشيه يعلون، إحياء مشروع قانون كان قد تم التوافق عليه قبل تفكك «أزرق أبيض»، ويقضي بتجميد الوضع الحالي في الكنيست بواسطة أمر احترازي بموجب أنظمة الطوارئ، والتفرغ للأمور السياسية بعد الخروج من أزمة «كورونا». وكان قادة التحالف آنذاك، قبل تفكّكه، وهم غانتس ويعالون ويائير لبيد وغابي أشكنازي، قد صدّقوا على مشروع القانون الذي نصَّ على أن «إسرائيل تواجه في هذه المرحلة وباءً غير مسبوق، ومن غير المعروف حتى الآن تأثيره في الاقتصاد والمجتمع، لكن يتوقع أن يكون شديداً. الوضع الحالي يفرض على جميع منتخبي الجمهور التجنّد معاً من أجل مساعدة مواطني إسرائيل في مواجهة الأزمة». وبالاستناد إلى صورة الوضع، اقترحوا سنّ قانون يقضي بـ«تجميد الوضع السياسي ستة أشهر». يبدو أن طرح هذا الاقتراح يهدف إلى قطع الطريق على تأليف الحكومة التي وصفها رئيس «يوجد مستقبل»، لابيد، بأنها «حكومة فساد، وكارثة قومية»، وإلى الحؤول دون انتخابات إضافية. مع ذلك، قد يتحول هذا الاقتراح إلى عامل ضغط إضافي يحاول كل المتفاوضين توظيفه في ابتزاز الآخر.
الواضح حتى الآن أن الواقع الداخلي الذي تشهده إسرائيل على أكثر من مسار يضغط على الأطراف جميعهم. لكن كلاً منهم يلعب بالأوراق التي في حوزته لابتزاز الطرف المقابل وانتزاع التنازلات التي تحقق طموحاته. وبعيداً عمّا ستؤول إليه المفاوضات، لا يصح استصحاب ما حدث في المحطات السابقة على ما يجري الآن، بعدما استجدّت عوامل ومتغيرات سياسية واقتصادية وصحية صارت جزءاً لا يتجزأ من الواقع الداخلي. بل سيكون من الصعب على القيادات السياسية تجاهلها، مع أن المفتاح الأساسي يبقى بيد نتنياهو الذي عليه أن يُصدر حكمه النهائي وفق معيار يتمحور حول شخصه.