على الرغم من المصاعب المرتبطة بمواجهة النتائج الاقتصادية للأزمة الصحية الراهنة، أعلن الاتحاد الأوروبي في 7 نيسان أنه سيقدّم دعماً مالياً بقيمة 15 مليار يورو إلى البلدان الأفريقية الأضعف. وكانت الصين قد سبقت الاتحاد بتقديم معدات وتجهيزات طبية كهبة للمساعدة على مقاومة جائحة «كورونا» في أفريقيا، وعرضت أيضاً مساعدة مالية مباشرة. الرئيس الصيني شي جين بينغ، وعد، في القمة الصينية - الأفريقية التي عُقدت في أيلول 2018 في بكين، بدعم مقداره 15 مليار دولار يتضمّن مساعدات مجّانية وقروضاً بلا فوائد. وإذا كانت المساعدات الطبّية والتقنية تمثّل جزءاً مهمّاً من التعاون الصيني - الأفريقي، يعتقد المراقبون أن الصين تفيد من الأزمة الصحّية والاقتصادية الحالية لتعزّز تموضعها الاستراتيجي في أفريقيا. ويرى هؤلاء، بناءً على الاستنتاج المذكور أن «السخاء الأوروبي» ناجم عن قرار بمواجهة توسّع النفوذ الصيني في القارّة السمراء. لكن الاقتصاديّ الفرنسي، ومدير الأبحاث في «معهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية»، جاك سابير، يعتقد أن الدافع الأول للمساعدات الأوروبية هو الاعتبارات الأمنية، لأن «المطلوب هو تجنّب انهيار أنظمة الخدمات الصحّية المحلية والهجرة الكثيفة للسكان الذي سيتبعه نحو البلدان الأوروبية. بإمكاننا أيضاً إضافة الرغبة بالتصدي للنفوذ الصيني إلى الدوافع لكنه ليس الأول بينها».

أوروبا، التي أطلقت أخيراً استراتيجيتها الشاملة الهادفة إلى تطوير التعاون في جميع مجالات الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وأفريقيا والتي تتضمّن استثمارات طويلة الأمد تصل إلى 60 مليار يورو في بلدان القارّة، تسعى بوضوح للحد من جاذبية القوّة الناعمة الصينية. فالاستثمارات المالية الأوروبية الكبيرة في هذه البلدان، في الفترة السابقة، لم تحل دون خسارتها لمواقع كثيرة لمصلحة الصين. بكين بين أوّل المستثمرين في البنى التحتية في أفريقيا، وهي تخلق فرص عمل على نطاق واسع. وكان تقرير «ماكينزي» لسنة 2017، وعنوانه «الوجود الاقتصادي الصيني في أفريقيا»، قد أشار إلى أن 10 آلاف شركة صينية تعمل في بلدانها ووفّرت حوالى 300 ألف فرصة عمل لمواطنيها، وأن 89 في المئة من موظّفيها هم من الأفارقة. وزادت الصين من نفوذها الثقافي عبر إنشاء العديد من مراكز الدراسات وتقديم عشرات آلاف المنح الدراسية إلى طلاب أفارقة.

جاك سابير: الموروث الاستعماري ما زال يحكم نظرة المسؤولين الأوروبيين إلى أفريقيا


جاك سابير، من جهته، مقتنع بأن دولاً كفرنسا وألمانيا باستطاعتهما أن تنافسا بفعّالية النفوذ الصيني إذا نجحتا بتوفير شرطين رئيسيين: «الأول، هو التطوير النوعي لاستثماراتهما. والثاني، هو الشراكة مع قوة ثالثة، روسيا على الأرجح. يفترض ذلك بداية تغيير موقف باريس وبرلين من موسكو». يعتبر الاقتصادي الفرنسي أن وزن الموروث الاستعماري التاريخي ما زال يحكم نظرة المسؤولين الأوروبيين إلى أفريقيا على رغم التغييرات الشديدة الأهمّية التي جرت في العقود الماضية. «جيل جديد يصل إلى مواقع القرار لا تشكّل التجربة الاستعمارية بالنسبة إليه سوى سردية من الماضي. هذا أمر شديد الإيجابية لكنه يستدعي إعادة النظر في جميع سياسات دعم التنمية»، حسب سابير. المساعدات الأوروبية لأفريقيا ما زالت دون المستوى المرجوّ أساساً، بسبب الفساد المستشري الذي يؤدي إلى اختلاس قسم كبير منها. إضافة إلى ذلك، فإن «إجراءات الاتحاد الأوروبي، الشديدة البيروقراطية، لا تسهّل توظيف المساعدات بالطريقة الأجدى. الأفضل، مثلاً، هو تخصيص الـ 60 ملياراً للاستثمار في قطاعات كالتعليم والمياه والصحّة والطاقة، لكن في العديد من الحالات لا يتم ذلك»، يقول سابير. ومع الانخفاض الحالي لأسعار غالبية المواد الأولية وتراجع الطلب العالمي نتيجة لتدهور معدّلات الإنتاج في زمن الجائحة، ستواجه أفريقيا بنظره تحدّيات جديدة، كالانتفاضات الشعبية والتوترات السياسية في الكثير من بلدانها. «هذه المعطيات لا تعني أن تداعيات الأزمة الراهنة على هذه البلدان ستكون مماثلة لتلك التي ستواجهها بلدان الشمال. الزراعات الأساسية لن تتأثّر كثيراً، وقطاع المواد الأولية سيستعيد حيويته عندما يبدأ الاقتصاد العالمي بالتعافي. ستعاني الدول الأفريقية من مصاعب على مستوى ماليّتها العامّة لأن المواد الأولية تمثّل بالنسبة إليها مصدراً مركزياً للدخل. سيتطلّب الأمر على الغالب، في نهاية هذه السنة وخلال عام 2021، مساعدة خاصة لضمان توازن ميزانيات بعض الدول الأفريقية»، يختم سابير.