لم يتأخّر فيروس كورونا في تفجير الوضع السياسي والاجتماعي في تركيا، فقد تصرّفت حكومة حزب «العدالة والتنمية»، برئاسة رئيس الجمهورية، رجب طيب إردوغان، على أساس أن البلاد قد تكون بمنأى عن وصول «كورونا» إليها، في وقت كان يتفشّى فيه بصورة مخيفة في معظم البلدان. ما كان يفاقم الشكوك في الأرقام التي كانت تعلنها الدولة، خاصة أنها تقع على مفترق طرق عالمي كبير، ما يعني أنها الوسيلة الأقصر للفيروس لينتشر عبر العالم، وفي النتيجة أنه من المستحيل ألا تتأثّر بالوباء. استمرّت تركيا في التصرّف كأنها خارج ما يجري حولها. وفجأة أعلنت أوّل إصابة فيها منتصف آذار/مارس الماضي. رغم ذلك، كانت تدابير الحكومة تعكس رؤية المكابر الذي لا يزال يعتقد أن اتخاذ تدابير قاسية لا مبرّر له. فلم تُغلق المواصلات الجوّية والبحرية والبرية إلا تدريجياً، ولم يٌفرض حظر التجوّل والحجر في المنازل إلا في وقت متأخّر وأحياناً كثيرة جزئياً.

المهزلة الكبرى كانت مساء الجمعة الماضي، عندما أعلن وزير الداخلية، سليمان صويلو، حظر تجوّل تاماً في البلاد ليومين بدءاً من الساعة 12 ليلة الجمعة ــ السبت. لكن بيان صويلو أُعلن قبل ساعتين فقط من الموعد المحدّد لبدء الحظر، ما فاجأ معظم العائلات التي لم تتحسّب لذلك. فنزل الناس إلى محال المواد الغذائية، ولا سيما الأفران التي شهدت تجمّعات هائلة نقلتها مباشرة وسائل الإعلام، وربما ستكون من أسباب ارتفاع الإصابات في الأيام المقبلة. كان ذلك ذروة الاستهتار بالمصلحة العامّة وبصحّة الناس، وخصوصاً أن وتيرة الارتفاع في الإصابات في الأيام القليلة التي سبقت حادثة الجمعة كانت بمعدّل خمسة آلاف كل يوم، وبدت تركيا كأنها تخوض سباقاً نحو تصدّر الدول الأكثر إصابة في العالم، إذ لامست أمس 65 ألف إصابة وحوالى 1400 وفاة.
ومساء الأحد فجّر صويلو قنبلة كبيرة بتقديم استقالته إلى إردوغان، معترفاً بخطأ التوقيت، ومتحمّلاً مسؤولية الهرج والمرج الذي أحدثه قراره الفجائي بحظر التجوّل، طالباً من الرئيس أن «يغفر له». قرار صويلو فاجأ الجميع، وخصوصاً أنه من الأسماء الوازنة داخل الحزب والحكومة، ولا سيما بعد أن فرغ الحزب من قياداته المؤثرة لخلافاتهم مع إردوغان، بعدما كان يفترض أن تتوجّه الأنظار إلى أداء وزير الصحّة، فخر الدين قوجه، بل أكثر من ذلك، إلى أداء رئيس الجمهورية الذي تولّى منذ البداية «إدارة الأزمة» في اتجاهات متعدّدة تخدم أساساً إدامة سلطة «العدالة والتنمية». إردوغان، في خضمّ انشغال الجميع بـ«كورونا» كان يقارب الأزمة من زاوية مدى تأثيرها في صورته وسلطته. فانتهز الخطر القائم ليحقّق ما يعتقد أنه «مكاسب»، منها:
ــ إقالة رؤساء بلديات أكراد منتخبين وتعيين قائمقامين ومحافظين هم أساساً معيّنون من «العدالة والتنمية» مكانهم.
ــ منع أحزاب المعارضة والبلديات المعارضة من جمع المساعدات المالية وغير المالية لمساعدة العائلات الفقيرة ممن أصبحوا متعطّلين عن العمل نتيجة الحجر المنزلي وحصر جمع المال في الحكومة بعد اتهامات للمعارضة بأنها تريد خلق «كيان موازٍ» (في هاتين القضيتين كان القرار يحمل توقيع صويلو).
ــ فتح قضية جمال خاشقجي وتوجيه الاتهام إلى السعودية.
- تلزيم قنال إسطنبول بين البحر الأسود وبحر مرمرة، وهو مشروع ضخم ومكلف جداً وله تبعات اقتصادية وسياسية محلية وخارجية كبيرة، رغم الخلاف على المشروع بين الحكومة والمعارضة.
تباينت الآراء في تقييم عوامل الاستقالة، إذ يمكن لصويلو أن يستقيل رغم معارضة إردوغان، وكيف يمكن له أن يعود عن استقالته فور طلب الرئيس منه؟ المعارضة وجدت في الاستقالة محاولة من الأخير لتقديم كبش فداء عن عشوائية التدابير التي أفضت إلى تحوّل البلد إلى بؤرة وباء، فحمّل صويلو المسؤولية. لكن ردود الفعل المجمعة على مسؤولية إردوغان دفعت الأخير إلى الإيعاز لصويلو بالتراجع عن الاستقالة لأن القرار النهائي، وفق الكاتب المنفي في ألمانيا جان دوندار، بيد رئيس الجمهورية وليس أيّ مسؤول آخر.
رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، كمال كيليتشدار أوغلو، قال إن «استقالة صويلو هي لإنقاذ رأس إردوغان، ولا أعتقد أن صويلو يتخذ القرار بمفرده». كما وصفت ميرال آقشينير، وهي رئيسة «الحزب الجيّد»، ما يدور في رأس الرئيس، بالقول: «إن نفس إردوغان اشتهت أن يفرض حظراً للتجول فأعلن فجأة حظر التجول... هكذا من دون أيّ علم أو عقل أو خطة أو برنامج! لم تكن هناك جدّية في أيّ شيء. كل الجهود التي حاولنا أن نتقدّم بها شيئاً فشيئاً ذهبت سدى خلال ساعتين». أما صحيفة «جمهورييت»، فوصفت ما جرى بأنه من «ألاعيب السراي». الاستقالة ورفضها كانا أيضاً مثار سخرية كثيرين، في مقدّمهم الرئيس السابق للجمهورية ورفيق درب إردوغان السابق، عبد الله غول، الذي غرّد، بعد تراجع صويلو عن الاستقالة، قائلاً: «لقد استمتعنا فعلاً بالفيلم. أهنئ الممثّلين. لقد لعبوا أدوارهم بصورة رائعة».
في المقابل، نقل عبد القادر سيلفي، الموالي لإردوغان، في صحيفة «حرييت»، أن صويلو التقى بإردوغان قبل الاستقالة. ورغم اعتراض الأخير، أعلن الأول استقالته أمام الرأي العام. وهذا فتح الباب واسعاً أمام تحليلات من كتّاب إسلاميين موالين لـ«العدالة والتنمية»، أبرزها للكاتب المعروف محمد علي ديليباق، في صحيفة «عقد»، حيث أعاد كل ما جرى إلى صراع داخل «العدالة والتنمية»، والصراع على من يرث إردوغان، بين وزير الداخلية ذي الأدوار المركزية بعد محاولة الانقلاب العسكري، وبين صهر إردوغان براءت ألبيرق الذي يدير ملفات مالية واقتصادية مهمّة. يقول ديليباق إن صويلو، سواء بقي أم ذهب، هو «رقم صعب في الحزب، وله لوبي مؤثّر في كل مفاصل الدولة ولا سيما على الصعيد الإداري والأمني». وينهي مقالته: «من الصعب ضبط صويلو داخل الحزب كما من الصعب ضبطه خارجه... والمياه المتدفّقة داخل العدالة والتنمية لن يكون من السهل إيقافها»، مذكّراً بأن تركيا بعد «كورونا» ستكون بالتأكيد أكثر هشاشة.