قرصان هي كلمة معرّبة من الإيطالية، corsaro، وتعني المدني الحائز تفويضاً من سلطات بلاده لركوب البحر مع مدنيين آخرين ومهاجمة سفن الأعداء، التجارية أساساً، والسطو على محتوياتها. التمييز ضروري بين القراصنة، وهم مرتزقة عملوا لمصلحة دولهم، وبين المجموعات الخارجة عن قوانين تلك الأيام، التي أطلق عليها اسم pirates، وكانت تهاجم السفن التجارية دون تمييز بهدف النهب، وحمل بعضها أفكاراً مساواتية، كما أشار دانييل دوفو في كتابه «ليبرتاليا». العقوبة التي كان يتعرض لها أي من الأخيرين كانت الشنق، بينما كان يكفي أن يبرز الأولون رسالة تفويضهم الرسمية لكي يعاملوا كأسرى حرب، أو حتى يطلق سراحهم في بعض الحالات.

لجأت جميع الإمبراطوريات، وخاصة في مراحل انحدارها، إلى خدمات القراصنة خلال القرون الماضية، لكنها عدلت عن ذلك سنة 1856، بعد معاهدة باريس التي أنهت حرب القرم، باستثناء دولة واحدة: الولايات المتحدة. وقد نشرت «الأخبار» في عددها أمس مقالة لمارك كانسيان، وهو كولونيل متقاعد في البحرية الأميركية، وللباحث براندون شوارتز، بعنوان «أطلقوا العنان لشركات الأمن الخاصة»، حض فيها الكاتبان الإدارة على اللجوء مجدداً إلى القراصنة لمواجهة القوة البحرية الصينية الصاعدة. ما يهمنا بكل تأكيد ليس مناقشة الأبعاد الأخلاقية لمثل هذه الدعوة، بل ما تؤشر عليه على المستوى الاستراتيجي والسياسي، أي دخول الإمبراطورية في طور متقدم من الانحدار واتجاهها إلى تسعير النزاعات الدولية، وخاصة مع الصين، ضمن محاولاتها الحثيثة لوقفها. فجائحة كورونا وتداعياتها تزيد قطاعات واسعة من نخبها جنوناً.

من «التعاون التنافسي» إلى «فسخ الشراكة» والصراع المفتوح
في زمن مضى، عندما كانت أيديولوجية «القرية الكونية» لا تزال رائجة مع ما يلازمها من فرضيات عن قدرة السوق المعولم على إعادة صياغة الاجتماع الإنساني والعلاقات بين الدول، في ظل «الهيمنة الحميدة» الأميركية طبعاً، زعم بعض منظريها أن تداخل اقتصادات القوى الكبرى، والمقصود أولاً الصين والولايات المتحدة، وتشكل كتلة مصالح ضخمة مشتركة في ما بينها، سيحولان دون أن تتحول خلافاتها وتناقضاتها إلى نزاعات حادة. أبرز من حاول بلورة هذه الرؤية هو نوح فيلدمان، أحد المساهمين في صياغة دستور بول بريمير في العراق، في كتابه الصادر سنة 2013 بعنوان Cool War [الحرب الهادئة]، الذي لقي رواجاً واسعاً. يقر فيلدمان بوجود خلافات جدية بين واشنطن وبكين، تعود أساساً إلى النمو المذهل والسريع في القدرات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية الصينية، والمخاوف في الولايات المتحدة من ذلك. غير أن حجم الاستثمارات المتبادلة بين البلدين وضخامة علاقاتهما التجارية ستدفعهما بنظره إلى «التعاون التنافسي»، أي بكلام آخر: سيتحكم العامل الاقتصادي بالمنطق الجيوسياسي ويفرض عليه قيوداً وضوابط تحدّ عملياً من أثره في الخيارات الكبرى التي ستعتمدها الدول في السنوات، وربما العقود المقبلة.
كذّبت التطورات اللاحقة هذه الفرضيات، ورأينا كيف أن العامل الجيوسياسي، الذي يعني في الحالة المذكورة اتجاه الصراع بين القوة المسيطرة والقوى الصاعدة إلى الاحتدام، ولو تدريجياً، يتحول في المحصلة النهائية، في العالم الواقعي وليس في خيال الليبراليين الوردي، إلى العامل الحاسم في تحديد الخيارات المذكورة. الصين والولايات المتحدة ماضيتان في «فسخ الشراكة» (Decoupling) التي نشأت بينهما خلال العقود الأربعة الماضية. تقارير وأبحاث كثيرة تنبه إلى هذا التطور المهم، من بينها تقرير «المخاطر الأبرز لسنة 2020» الصادر عن «مجموعة أوراسيا» التي يديرها الصحافي الأميركي المتخصص بالشؤون الدولية روبرت كابلان، الذي سبق أن كان مستشاراً لفوج القوات الخاصة في الجيش الأميركي، وكذلك لسلاحي البحرية والجو، وعمل في عدد من المراكز البحثية، كمركز الأمن الأميركي الجديد و«ستراتفور». يكشف التقرير أن «فسخ الشراكة بين قطاعَي التكنولوجيا المتطورة الصيني والأميركي أدى إلى تراجع هائل في التدفق المتبادل للتكنولوجيا والمهارات والاستثمارات بين البلدين»، متوقعاً توسع نطاقه سنة 2020 ليشمل معظم الأنشطة الاقتصادية. ما يزيد الأمر سوءاً في رأي معدّي التقرير أن «جائحة كورونا ستسرّع هذا المسار ليضم مختلف القطاعات الصناعية والخدماتية، ما سيجبر عدداً من الشركات (الأميركية) على تبديل شبكات إمدادها وإغلاق مصانعها ونقل موظفيها نهائياً».

قرار أميركي
قرار فسخ الشراكة لم يتخذ في الصين المستعدة لتأجيل المواجهة نتيجة اقتناع قيادتها بأن الزمن يعمل لمصلحتها وأن صعودها مرشح للاستمرار، بل في الولايات المتحدة التي يعتقد القطاع الأعظم من نخبها أن العد العكسي لتراجع «ريادتها» بدأ منذ مدة ليست قريبة. روبرت سبالدينغ، الجنرال المتقاعد من سلاح الجو بعد 25 عاماً من الخدمة، الذي عمل خبيراً استراتيجياً في الشؤون الصينية لدى قائد هيئة الأركان المشتركة في الجيش الأميركي، عبّر في كتابه «الحرب الخفية»، الصادر في 2019، عن قناعات هذا القطاع عندما أكد أن «الحرب بين الأمم في القرن الحادي والعشرين تختلف كثيراً عن حروب القرنين التاسع عشر والعشرين. عوضاً عن الرصاص والقنابل، تستخدم فيها الدولارات والسنتات والاقتصاد والقطاع المالي وقواعد البيانات والمعلومات والصناعة والبنى التحتية والاتصالات». ويقول: «من يسيطر على هذه الجبهات اليوم، يربح الحرب دون أن يطلق طلقة واحدة. هي استراتيجية بسيطة ومنطقية، لكن القادة في الغرب لم يفهموها بالسرعة المطلوبة. قادتنا السياسيون والعسكريون وشركاتنا الكبرى لم تنجح في إدراك اللعبة الذكية التي لجأ إليها الحزب الشيوعي الصيني. بقوا يعملون وفقاً للقاعدة التي مضى عليها الزمن والتي تنص على أن الحروب تخاض فقط بالقنابل والرصاص». كلام بليغ يشي بأن الدولة العميقة الأميركية تأخذ على الصين «صعودها السلمي» بصورة أساسية، وإجادتها قواعد اللعبة في ظل العولمة الليبرالية التي أضحت أبرز المستفيدين منها. وهي حالياً تدرس الخيارات المتاحة، في ظل قدراتها المتراجعة، للتصدي لهذا الصعود ومحاولة وقفه، وما العودة للاعتماد على خدمات القراصنة سوى أول الغيث.