مع استمرار الحرب العالمية مع فيروس كورونا، والمخاوف من سيناريوات أسوأ صحياً واقتصادياً، لا يغفل العدو الإسرائيلي عن مواكبة التطورات خاصة لجهة ما قد تُنتجه من تهديدات وفرص على أكثر من مسار. ومن الواضح أن نجاح إيران حتى الآن في الحد من مفاعيل انتشار الفيروس بدّد رهانات إسرائيلية وأميركية في أكثر من اتجاه، خاصة محاولة واشنطن استغلال الوضع لابتزاز طهران ومحاولة جرّها إلى الاتصال المباشر. أما تل أبيب، فتتابع بقلق المواقف الأوروبية، خاصة لفرنسا وبريطانيا وألمانيا، التي تجاوزت العقوبات على إيران بل شرعت في تزويدها بعتاد طبي وصحي.

لهذا، اتُّخذ إسرائيلياً مسارٌ مضاد بدأ باتصال رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بوزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، الذي أكد أن «التزام الولايات المتحدة أمن إسرائيل لا يخضع للتغيير». وبالاستناد إلى ما نقلته صحيفة «هآرتس»، يبدو أن منبع الخشية الإسرائيلية لا ينطلق من كون الخطوة الأوروبية قد تساعد إيران على مواجهة «كورونا»، بل لجهة أنها قد تشكل تحولاً باتجاه انهيار منظومة العقوبات بأسرها، وتحديداً ما يتصل بالقيود التي تحول دون تعامل القطاع المصرفي الأوروبي مع طهران. ومما يكون قد ساهم في تعزيز المخاوف في تل أبيب أن بيان البلدان الثلاثة ينطوي على مؤشرات على عودة بنوكها للتعامل مع الجمهورية مستقبلاً.
بالمقارنة مع رهانات راودت أعداء إيران، كانت إسرائيل تأمل بل تسعى إلى أن يتحول الفيروس إلى عبء إضافي على الواقع الإيراني بالمستوى الذي يفاقم الوضع الاقتصادي ويدفع نحو انهيار النظام أو خضوعه، لكن تبيّن أن التطورات تحركت بالاتجاه المغاير. في هذا السياق، لفت الباحث شموئيل مئير إلى أن هدف نتنياهو من العقوبات هو «صفر أجهزة طرد مركزي... صفر تخصيب»، لكن جراء الظروف المستجدة عاد نتنياهو إلى «عقيدة التخويف» من البرنامج النووي الإيراني، في إشارة إلى إمكانية عودة التهديد النووي إلى قلب السجال الإسرائيلي الداخلي. وينطلق هذا التقدير مما ذكرته صحيفة «يسرائيل هيوم» عن مخاوف من أن «تستغل إيران الجائحة في تطوير البرنامج النووي».
لكن في الظروف التي تشهدها إسرائيل على وقع «كورونا»، يمكن التقدير أن نتنياهو أبعد ما يكون من الانشغال في قضايا خارجية لحسابات سياسية وإعلامية، خاصة أنه استطاع إحداث خرق جوهري مع تفكيك تحالف «أزرق أبيض»، ما يمهد له الطريق لتأليف حكومة يرجح أن ترى النور قريباً. مع هذا، لفت مئير، الذي سبق أن عمل في وحدة الأبحاث في «شعبة الاستخبارات»، وفي القسم الاستراتيجي لشعبة التخطيط الاستراتيجي في جيش العدو، إلى أن التقدير الذي أعدته الشعبة، «أمان»، يفيد بأن طهران لم تُقدم على أي تحرك جدي يدل على توجهها نحو تجاوز التزاماتها النووية. لذلك، يبدو أن مخاوف نتنياهو، ومعه بعض الأجهزة المختصة، تنبع من مآلات التغيير المتسارعة دولياً وإقليمياً، وإمكانية أن تستغل إيران ذلك. واستباقاً لأي مواقف داخلية معارضة، لا يتعارض تقييم نتنياهو بشأن البرنامج النووي مع الأصوات الداخلية التي قد يتعرّض لها من خصومه، كما حدث في محطات كثيرة.

تنبع مخاوف نتنياهو من مآلات التغيير المتسارعة دولياً وإقليمياً


على وقع المخاوف نفسها، تناول الباحث في «مركز هرتسليا المتعدد المجالات» أودي ابينطال ما سماه «مساعي إيران لتوسيع مشروعها النووي»، مستنداً إلى إعلان طهران أنها تبذل مجهودها «على مدار الساعة» لتطوير وتشغيل أجهزة طرد مركزية. وقال إنه على الحكومة الجديدة أن تعطي المشروع النووي وإمكانية توسيعه «أولوية عليا» بجانب محاربة «كورونا»، خاصة أن «إسرائيل ركّزت أكثر في السنة الأخيرة على كبح تمركز إيران في سوريا خاصة، وفي المنطقة عامة». ابينطال، الذي أمضى 25 عاماً في مناصب متعدّدة في الأمن، أوضح أن إسرائيل «لا تستطيع بناء استراتيجيتها على تغيير النظام في طهران، (جراء) قوة النظام الداخلية التي تأكّدت مرة تلو أُخرى منذ الثورة»، مستدركاً: «حتى في سيناريو انهيار النظام، يمكن أن يأتي حكم متشدّد بقيادة الحرس الثوري، ولن يكون أقل التزاماً بالمشروع النووي... (على إسرائيل) أن تستيقط من وهم أن الولايات المتحدة ستمنع بالقوة إيران من الحصول على سلاح نووي». وفي موقف ينطوي على إقرار ضمني بفشل الرهانات السابقة، والدعوة إلى مزيد من الواقعية، دعا الباحث إلى أن تطلب تل أبيب من واشنطن «استخدام دبلوماسية خلّاقة لتصحيح العيوب الجوهرية في الاتفاق النووي، وفي مقدمها بنود تتعلق بوقت انتهاء الاتفاق، وحقوق الرقابة والرصد للوكالة الدولية للطاقة النووية».