لا يزال الموقف الروسي ملتبساً إزاء التفاهمات الأميركية ــــ السعودية التي أثمرت هدنةً في حرب أسعار النفط، بعد إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التوافق على اقتطاعات ضخمة في الإنتاج مِن حصّة الرياض وموسكو. إعلانٌ ارتفعت على إثره أسعار النفط بوتيرة قياسية، إذ فاقت مكاسبها 40% قبل أن تعاود الهبوط بنحو 20%، في حين لم تتّضح بعد طبيعة هذه التفاهمات، وهل تعتزم الولايات المتحدة تقديم تنازلات لقاء أيّ اتفاق مزمع، على شكل اقتطاعات مِن حصّتها السوقية، أو رفع العقوبات عن موسكو الماضية في المحادثات مع واشنطن، لكن اتجاه الأحداث يؤشّر إلى تعاون دولي آنيّ، للجم تداعيات الوباء على الاقتصاد العالمي المتداعي.

المملكة وإذ كانت تمضي وحيدة في سياسة إغراق السوق بالنفط، غير آبهة بفائض الإمدادات المدفوع بانخفاض الطلب على الخام، سارعت أمس إلى دعوة «منظمة الدول المصدرة للنفط» (أوبك)، والمنتجين من خارجها، إلى اجتماع عاجل لإعادة «التوازن» إلى الأسواق، «استجابةً لطلب الرئيس الأميركي». سياسةٌ لا تبدو روسيا، التي أعطت الإشارة الأولى لإطلاق حرب الأسعار برفضها تمديد أجل اتفاق خفض الإنتاج ضمن حلف «أوبك+»، في وارد اتباعها، «وسط تخمة معروض لا تتزحزح». قرار موسكو تعطيل الاتفاق معطوفاً على ردّ الرياض خفض أسعار النفط المطروح للبيع، توازياً مع رفع الإنتاج، عمّقا أزمة السوق المُتخمة بفعل قيود العزل الصارمة التي فرضها فيروس كورونا، التي أدّت إلى انخفاض الطلب على النفط بأكثر من 20% (20 مليون برميل يومياً)، وتالياً انخفاض الأسعار بنحو 50%.
في السياق، وبعد يوم من إشارته إلى قرب الاتفاق بين روسيا والسعودية لإنهاء حرب الأسعار بينهما، تولّى ترامب إعلان النبأ السارّ عبر «تويتر»، وكتب: «تحدّثت للتو إلى صديقي (ولي العهد السعودي) محمد بن سلمان الذي تحدّث بدوره إلى بوتين... أتوقّع وآمل أن يخفضوا نحو 10 ملايين برميل، وربّما أكثر من ذلك بكثير، وإذا حدث ذلك، فسيكون رائعاً لصناعة النفط والغاز!». وفي تغريدة لاحقة، أضاف إن الاقتطاعات ربّما تصل إلى 15 مليون برميل. لكن الكرملين سارع إلى نفي صحّة تصريح ترامب في شأن اتصال بين بوتين وابن سلمان ناقش أسواق النفط العالمية. على هذه الخلفية، ارتفع خام «برنت» بنسبة تقترب من 46% قبل أن يعاود الانخفاض إلى نحو 21% (30 دولاراً للبرميل)، فيما ارتفع سعر «غرب تكساس الوسيط» بنسبة 35% إلى 27,39 دولار للبرميل، لكن هذه المكاسب انخفضت سريعاً، ليسجّل زيادة ثبتت مساءً عند 25% (25 دولاراً).

ارتفعت أسعار النفط بوتيرة قياسية قبل أن تعاود الهبوط بنحو 20%


قبل الإعلان الأميركي، برّر وزير الطاقة الروسي، ألكسندر نوفاك، قرار بلاده عدم المضيّ باتفاق خفض الإنتاج المعمول به منذ بداية 2017، بالقول: «لم يكن في وسعنا توقُّع وضع سوق النفط حالياً، عندما اجتمعنا في السادس من مارس (آذار)»، مؤكداً أن بلاده لا تعتزم زيادة إنتاجها النفطي بسبب فائض الإمدادات في السوق، فيما أظهرت بيانات وزارة الطاقة، أمس، أن الإنتاج بلغ 11.29 مليون برميل يومياً، من دون تغيير عن مستواه السابق. لكن المملكة مضت اعتباراً من الأول من الشهر الجاري في تنفيذ قرارها رفع مستوى الإنتاج مِن 9.7 ملايين برميل إلى 12.3 مليوناً، وفق مصدرين مطّلعين تحدّثا إلى «رويترز».
وبينما تلقّت صناعة النفط الصخري المكلفة ضربة كبيرة على خلفية انهيار الأسعار، سيلتقي الرئيس الأميركي، اليوم، مسؤولي قطاع الطاقة لبحث سبل مساعدة القطاع الذي «دُمر» على مستوى العالم، بسبب انهيار الطلب على الطاقة أثناء الجائحة، الذي ترافق مع حرب الأسعار. وقالت مجموعة «بنك إيه إن زد» إن الأسعار تتلقّى دعماً مِن تقارير تفيد بأن وزارة الطاقة الأميركية قد تقوم بتأجير المنتجين المحليين مساحات لتخزين كميات احتياطية. ووفق صحيفة «وول ستريت جورنال»، التي كانت أوّل من أورد نبأ اللقاءات المزمعة، من المتوقع أن يبحث ترامب خلالها مع المسؤولين التنفيذيين في شركات النفط عدداً من الخيارات لمساعدة الصناعة، تشمل إمكانية فرض رسوم على واردات النفط السعودية.