على رغم أن القانون الرقم 2860 حول جمع المساعدات في تركيا يسمح للبلديات والإدارات المحلّية بقبول تبرّعات المواطنين، فإن وزير الداخلية، سليمان صويلو، عمد إلى الطلب من البنوك إغلاق حساب التبرّعات الذي أعلنته بلديات كثيرة، رابطاً ذلك بالحصول على إذن مسبق من وزارة الداخلية. وجاء في التعميم أن كل من لا يلتزم هذا الشرط ستعمد القوى الأمنية إلى منعه حالاً. التعميم، الذي وصفته صحيفة «جمهورييت» بأنه أسوأ من فيروس كورونا، يستهدف البلديات التي يسيطر عليها حزب «الشعب الجمهوري» المعارض، وعلى رأسها بلديات إسطنبول وأنقرة وإزمير التي أعلن «بنك وقف» وضع حظر على التبرّعات التي تأتي لرقم حساباتها.

سيد طورون، وهو نائب رئيس بلدية إسطنبول، استنكر المنع، وقال إنه مخالف لقانون البلديات الرقم 5393 ولقانون البلديات الكبرى الرقم 5216 الذي يسمح لها «بأن تكون أداة لتوزيع الهبات برقابة وزارة الداخلية وديوان المحاسبة». أما رئيس البلدية، أكرم إمام أوغلو، فقال إن البلديات تلتزم أعلى معايير الشفافية لإيصال المساعدات. وقد أطلقت «إسطنبول» هاشتاغ: «معاً سننجح» لمنح المساعدات للمحتاجين في منازلهم بسبب «كورونا». كذلك، خرجت بلدية أنقرة تحت هاشتاغ: «6 ملايين قلباً واحداً»، وقال رئيس بلديتها، منصور ياواش، إن أعداد الفئات التي تطلب المساعدة يزداد مع كل يوم. والمساعدات ستكون للمتعطلين عن العمل، والذين فقدوا عملهم بسبب الحجر الصحي، ولا سيما باعة الكعك المتجولين والمعاقين والسائقين، على أن تصدر البلدية كل يوم بياناً بأسماء الذين تسلموا المساعدات.
في المقابل، قال وزير الداخلية سليمان صويلو، إن البلديات التي لا تحصل على إذن من الوزارة لجمع التبرّعات إنما تريد أن تقيم دولة مستقلة عن الدولة. بل اتهم صويلو 70 في المئة من أصحاب الحسابات التي فتحت لجمع المساعدات بأنهم تابعون لجماعة فتح الله غولن ولتنظيمات يسارية إرهابية. لكن مسؤولي «الشعب الجمهوري» اتهموا الرئيس رجب طيب إردوغان بأنه لا يريد أن تقوم البلديات بعملها لمنع التفاف الناس حولها. بوركاي دوزجيه، من مسؤولي الحزب في إسطنبول، قال في تغريدة: «من زمن السلاجقة في الأناضول إلى زمن الدولة العثمانية، وصولاً إلى العهد الجمهوري، القادة الأكثر نذالة التي شهدتها هذه الأرض هم أنتم (حزب العدالة والتنمية). إن وضع بلوك على حساب بلدية إسطنبول لجمع التبرّعات همّه الأساسي عدم وصول المساعدات إلى الشعب».

يقدّر أن يستفيد من العفو نحو 90 ألف سجين سيُطلق سراحهم


لكن أكثر ما أثار سجالات وتعليقات السياسيين والرأي العام إعلان إردوغان بعد اجتماع الحكومة الإثنين الماضي أنه يتبرّع بمعاشات سبعة أشهر للمساعدات الاجتماعية، مظهراً رقم حساب بنكي ليتبرّع الناس عبره لمساعدة العائلات المحتاجة. ويرى معارضو الرئيس أنه بدلاً من اتخاذ إجراءات صارمة حول منع التجوّل وغيرها، وخصوصاً في ظل ازدياد أعداد المصابين في البلاد بسرعة ووصوله إلى أكثر من 15 ألفاً خلال مدة قصيرة، فقد توجّه لاستعراضات غير مفيدة مثل التبرّع بمعاشه لأشهر، علماً بأن راتب رئيس الجمهورية يبلغ نحو مئة ألف ليرة تركية، أي ما يعادل 12 ألف دولار أميركي على سعر صرف الليرة حالياً، الذي ارتفع ليلامس 6.5 ليرات مقابل الدولار الواحد. كما أن الشعار الذي رفعه، «نحن نكفي بعضنا البعض يا تركيا»، لجمع المال أثار سخرية المعارضين؛ فبدلاً من أن تساعد الدولة من كيسها المحتاجين، إذا بها تطلب المال من الناس.
يتساءل الكاتب تونجاي أوزكان: «كيف يمكن لبلد يقول رئيسه إنه يديّن صندوق النقد الدولي أن يطلب مالاً من مواطنيه؟ أين كنا وأين أصبحنا؟». أيضاً يرى الكاتب مراد يتكين، أن إردوغان أراد أن يحرف الاهتمام من مكافحة الوباء القاصرة إجراءاتها إلى مكان آخر تختصره الجملة التالية التي قالها مساء الإثنين: «تركيا، تحت أي ظرف أو شرط، هي بلد مضطر إلى أن يواصل الإنتاج ويضمن عودة عجلته إلى الدوران». ويقول يتكين إن كل هدف إردوغان هو هذه العبارة «تحت أي ظرف وشرط»، بمعزل عن سرعة انتشار الفيروس. ويسأل يتكين عن المعايير التي وضعها الرئيس للتبرّع بالراتب، ولماذا هي سبعة أشهر وليس ثمانية أو ستة، «بل لماذا ليس راتب سنة بكاملها؟ أين هي الصناديق المخصصة للمتعطلين عن العمل والمليارات التي تصرف على اللاجئين السوريين دون رقيب ولا حسيب أو تلك التي صرفت على الحرب في سوريا والرغبة في الصلاة في الجامع الأموي حيث حالَ كورونا دون إقامة حتى صلوات الجمعة في تركيا؟ هل يوجد مال في هذه الصناديق أم أنها فارغة؟». بل ذهبت تعليقات كثيرة إلى أن أحداً لن يصدّق أن إردوغان قد تبرّع برواتب سبعة أشهر قبل أن يرى الإيصال الذي يثبت ذلك، متسائلة: «لماذا إلى هذا الحد لا يثق المواطن برئيسه؟»
الأطرف من ذلك أن رئيس لجنة الاتصال في الرئاسة، فخر الدين ألتون، نشر فيديو على صفحته يظهر فيه إردوغان وهو ينصت إلى الأذان في جامع غرناطة بإسبانيا، داعياً إلى «ألا يصمت صوت الأذان في أي مكان، وأن نكون معاً في جوامعنا قريباً لنؤدي الصلاة». الفضيحة أن الأذان الذي قال ألتون إنه في غرناطة كما المشاهد التي رافقته لم يكن هناك، بل في مدينة بالاكين الأذربيجانية، والمؤذن هو الموسيقي الإيراني مهدي ياراهي. وعلّق محمد خربوطلو أوغلو، من حزب «السعادة»، «حبذا لو كان يسمع إردوغان أصوات الفقراء والمستضعفين في بلده». إلى ذلك، ينتظر اليوم (الخميس) أن يقرّ البرلمان قانون عفو يخفض الأحكام ويستثني جرائم الاغتصاب والاتجار بالمخدرات والإرهاب، فيما يقدر أن يستفيد من العفو نحو 90 ألف سجين سيطلق سراحهم.