تعزّزت العلاقات المصرية ــــ الإسرائيلية إلى مستويات إستراتيجية منذ تولّي الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة، على خلفية الحلف الإقليمي بين إسرائيل و«الدول السنية»، كما تسميها، والموقف المشترك من إيران والتنظيمات الإسلامية، وكذلك المصلحة العامة إزاء إدارة القضية الفلسطينية وقطاع غزة. وصْفُ «حميمية» العلاقة المتنامية بين القاهرة وتل أبيب ورد على لسان السفير الإسرائيلي السابق في مصر وجنوب السودان، الباحث وعضو «خلية التفكير» في «المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية»، حاييم كورين، الذي شرح في ورقة بحثية أن العلاقات وُصفت دوماً بأنها «سلام بارد» استناداً إلى مفهوم يرى أن القاهرة غير قادرة على التطبيع الكامل رغم المصالح المشتركة والحاسمة ما دام الصراع الإسرائيلي ـــ الفلسطيني من دون حل. لكن هذا المفهوم تراجع أخيراً إلى حدّ ما على خلفية تنامي التعاون الدفاعي بين إسرائيل و«الدول السنية» في المنطقة، وإن كان لا يزال يؤثر في طبيعة العلاقات ومستواها، يستدرك السفير.

كورين، المحاضر أيضاً في «مركز هرتسيليا المتعدّد المجالات»، يرى أن العلاقات الإسرائيلية ــــ المصرية مصدر قوة للمنطقة، خاصة «لدول المحور العربي السني وكذلك للولايات المتحدة وقوى أخرى مثل روسيا والاتحاد الأوروبي والصين والهند الذين يرون أن هذه العلاقات عامل تعزيز للاستقرار الإقليمي بعد وقت من الاضطراب الكبير»، وذلك في إشارة إلى الأداء المصري طوال العام الماضي في ضبط العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين، ولا سيما في حالات وقف النار في قطاع غزة، التي ساعدت فيها أيضاً وساطة الأمم المتحدة والأموال القطرية. وثمة إشارة إلى سعي إسرائيل ومصر إلى الحد من وجود إيران في الشرق الأوسط والعمل على تعزيز العقوبات على الأخيرة ومحاربة وكلائها بالوسائل كافة، إضافة إلى الحد من نشاط تركيا في شرق المتوسط، عبر إقامة تحالفات في المنطقة. في المقابل لدى الجانبين وجهة نظر متماثلة إزاء أهمية التنسيق مع الولايات المتحدة، ما أدى إلى تنسيق وتعاون أمني عالي المستوى بجانب التعاون الدبلوماسي.
من جهة أخرى، تبرز ملفات الطاقة، إذ عمل الجانبان على تعزيز التعاون الذي يسمح لمصر وإسرائيل وقبرص واليونان، «وربما لبنان في المستقبل»، بتشكيل مركز إقليمي لإنتاج الغاز الطبيعي توطئة للتصدير إلى أوروبا. وفي كانون الثاني/يناير 2019، أُعلن «منتدى غاز شرق البحر الأبيض المتوسط» (EMGF) في القاهرة، عبر سبع حكومات شرق أوسطية وأوروبية، من بينها إسرائيل والسلطة الفلسطينية، لكن من دون مشاركة تركيا ولبنان. بالتوازي مع ملف الطاقة وأيضاً الأمن، يشرح كورين، يتواصل «السلام البارد» في مجالات أخرى لكن مع تجنّب التعاون الثقافي الذي يُعد عقبة كبيرة أمام تنامي العلاقة، «وإن كان الاتجاه العام إزاء التواصل (ما دون الأنظمة) بدأ يتزايد في البحر المتوسط ويمكن أن يؤدي إلى تواصل مصري ـــ إسرائيلي (على مستوى القاعدة)، وفي نهاية المطاف إلى مزيد من الانفتاح في العلاقات الثقافية». هنا، تلعب وسائل التواصل الاجتماعي «دوراً كبيراً ومباشراً وشاملاً خاصة لدى عدد كبير من الشبان المصريين الذين يهتمون بالعالم خارج حدود بلدهم، وهي ساحة أخرى تعمل فيها إسرائيل وتسيطر عليها ويمكنها أن تتسبب في تقارب بين المدنيين لدى الجانبين».
ويشير الباحث الإسرائيلي إلى أن ردود فعل متصفّحي الإنترنت المصريين إزاء صفحات إسرائيلية تتحدث بالعربية وصفحات التواصل الاجتماعي العربية التابعة لوزارة الخارجية «تعبر عن الاهتمام بإسرائيل وثقافتها ومكانة العلم والتكنولوجيا في نسيج حياتها، لكن الاهتمام لا يرقى إلى مستوى الاهتمام العراقي (كردستان) أو الاهتمام في دول الخليج، في رد فعل على أنشطة إسرائيلية مماثلة وجهت إليهم». ويقول: «ردود فعل المصريين سلبية في الأعم إذا قورنت برد فعل الخليجيين.. لوسائل التواصل إمكانات كبيرة لإيجاد أرضية خصبة للتقارب المدني، وإن تطلّب ذلك مزيداً من المثابرة والصبر من جانب إسرائيل».