لم تفلح الجهود الأميركية في حلّ المعضلة السياسية التي لا تزال تعرقل انعقاد المفاوضات الداخلية الأفغانية، بعدما أدّى كل مِن أشرف غني ومنافسه عبد الله عبد الله اليمين الدستورية لرئاسة أفغانستان. مفاوضاتٌ تجاوزت الجدول الزمني الذي حدّد الاتفاق الموقَّع بين واشنطن و«طالبان» انطلاقتها يوم أمس، في انتظار صدور مرسوم رئاسي يُتوقَّع أن يبتّ مسألة تبادل الأسرى العالقة، التي تضاف إلى عقدة تشكيل وفد تفاوضي أفغاني لمحاورة «طالبان». ولم تَحُل التعقيدات الآنفة دون بدء انسحاب قوات الاحتلال الأميركية مِن قاعدتين عسكريتين في إطار تطبيق المرحلة الأولى مِن اتّفاق الدوحة، برغم تحذير «مركز أبحاث الأمن القومي» الإسرائيلي من أن خطوة بهذا الحجم سيكون لها «تداعيات خطيرة» على كيان الاحتلال، لجهة تعطيل قدرته على جمع معلومات استخبارية عن إيران.

حتى مساء يوم أمس، لم يصدر عن الرئيس الأفغاني، أشرف غني، مرسوم رئاسي يبتّ مصير أسرى «طالبان». البند الرئيس في وثيقة «اتفاق الدوحة»، شكّل السجال حوله، على مدى الأيام الماضية، أولى عقبات الحوار الأفغاني المشروط بتنفيذه: تُفرِج حكومة كابول عن خمسة آلاف مِن مقاتلي الحركة، في مقابل إطلاق الأخيرة سراح ألف من عناصر القوات الأفغانية. مساعي حكومة كابول لجهة إعاقة تنفيذ هذا البند، قوبلت برفض واشنطن التي أوفدت مبعوثها الخاص إلى أفغانستان، زلماي خليل زاد، لرأب الصدع، ومحاولة التوفيق بين غني ومنافسه في الانتخابات عبد الله عبد الله الذي يرفض الإقرار بنتائج جاءت في مصلحة خصمه. وفيما يبدو أن عقدة تبادل الأسرى وجدت طريقها إلى الحلّ، لفت خليل زاد إلى أن جهود حلّ الخلاف بين الخصمين «لم تأتِ بطائل»، مشيراً بذلك إلى حفلَي تنصيب غني وعبد الله، اللذين علّقت عليهما «طالبان» بالقول: «لا شيء أهمّ بالنسبة إلى العبيد من مصالحهم الخاصة». خطوة «الحكومة الموازية»، عارضتها واشنطن على لسان وزير الخارجية، مايك بومبيو، غير أنها رحّبت، في الوقت ذاته، بإعلان الخصمين التزامهما هدف «تحقيق السلام»، مؤكّدة أنها «تعمل على التوصّل إلى اتفاق بين الطرفين»، يسمح ببدء الحوار الداخلي، وتالياً خفض عديد جنودها الموجودين في البلاد من 13 ألفاً إلى 8600 بحلول منتصف تموز/ يوليو، بموجب الاتفاق المُبرم. لكن واشنطن التي تسعى إلى إظهار جدية في هذا السياق، بدأت، بالفعل، انسحاباً من قاعدتين عسكريتين تقعان في لشكر كاه، عاصمة ولاية هلمند (جنوب).

«سنتكوم»: الجيش الأميركي لم يعدّ أيّ خطة عسكرية للانسحاب


وبدت لافتة إشارة قائد القيادة المركزية الأميركية، «سنتكوم»، الجنرال كينيث ماكنزي، أثناء جلسة مساءلة في مجلس النواب الأميركي، يوم أمس، في شأن الأوضاع الميدانية بعد توقيع الاتفاق مع «طالبان»، إلى أن «الجيش الأميركي لم يعدّ، حتى الآن، أي خطة عسكرية» للانسحاب، برغم إشارته إلى أن الحركة برهنت قدرتها على التصدي لتنظيم «داعش» بدعم أميركي «محدود جداً». ويبدو أن مسألة الانسحاب هذه تثير قلق إسرائيل التي تخشى أن تفقد إمكانية جمع معلومات استخبارية عن إيران، وفق تقدير لـ«مركز أبحاث الأمن القومي» الذي حذّر مِن تداعيات خطيرة على كيان الاحتلال يمكن أن تمس البيئة الاستراتيجية لإسرائيل وتقلّص مِن قدرتها في تحقيق مصالحها الأمنية الكبيرة التي ترتبط بوجود الجيش الأميركي في أفغانستان. ولفت معدّو التقدير (دانيال شابيرو، السفير الأميركي السابق في تل أبيب، والعقيد إلداد شفيت، الذي عمل مساعداً لقائد لواء الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، والباحث آريي هييستمان)، إلى أن إقدام إدارة دونالد ترامب على التوقيع على اتفاق غيّب الحكومة الأفغانية، يرسل إشارات سلبية للكيان، ويدلّ على أن هذه الإدارة يمكن أن تقدم على خطوات تمسّ مصالح تل أبيب من دون التشاور معها أو أخذ مصالحها في الاعتبار.
وفي مسعى نادر للحصول على تأييد مجلس الأمن الدولي لاتفاق بين دولة وحركة مسلحة، دعت واشنطن إلى التصويت على مشروع قرار يؤيّد الاتفاق الذي توصلت إليه مع حركة «طالبان». وتشير مسودة القرار، إلى أن مجلس الأمن «يحضّ الحكومة الأفغانية على المضيّ في عملية السلام ولا سيما من خلال المشاركة في مفاوضات بين الأطراف الأفغانيين بفريق من المفاوضين متنوّع ويشمل الجميع، مؤلّف من قادة سياسيين ومن المجتمع المدني ويضم في صفوفه نساء»، كما «تؤيّد» الاتفاق وتطلب إلى «جميع الدول تقديم دعمها التامّ للتفاوض في شأن اتفاق سلام كامل ودائم يضع حداً للحرب بما يخدم مصلحة جميع الأفغان». ويذكر النص أن مجلس الأمن سيكون «على استعداد فور بدء المفاوضات الأفغانية لمراجعة العقوبات» الدولية المفروضة على أفراد أو مجموعات منذ 2011 بهدف «دعم عملية السلام». وفي حين لفت دبلوماسي، لـ«فرانس برس»، إلى أن الاتفاق يتضمّن ملحقين سرّيين حول مكافحة الإرهاب يتحتّم على أعضاء مجلس الأمن المصادقة عليهما من دون الاطلاع على مضمونهما، لا يعرف بعد ما سيكون عليه موقف روسيا التي لمّحت، الجمعة، إلى أنها قد تعارض مشروع القرار بعدما عرقلت الولايات المتحدة تبنّي مجلس الأمن الدولي إعلاناً طرحته موسكو يدعم الاتفاق الروسي ــــ التركي لوقف إطلاق النار في محافظة إدلب السورية.