إنه العام 1665، تعداد البشرية يومها وبحسب التقديرات، كان 545 مليون نسمة. مرضٌ غريب بدأ ينتشر في أحياء لندن الفقيرة والمكتظة، كان الانتشار بطيئاً في البداية، ولكن بحلول شهر أيار من العام نفسه اجتاح «الطاعون العظيم» انكلترا وفتك بأهلها. وفي غضون 18 شهراً، كان الوباء قد قضى على 100 ألف شخص، أي ما يوازي ربع سكان لندن. اللافت حينها، أن فترة حضانة الطاعون في المصابين به تراوحت بين 4 إلى 6 أيام، وحينما كان يتم تشخيص أحد ما بالمرض، كان يُحجر عليه في منزله، فيما يتم رسم صليب باللون الأحمر على باب المنزل. كان الهدف من ذلك إخطار البشر الآخرين أن من في المنزل مصاباً بالطاعون. وسيلة بسيطة ولكن مهمة لحصر المصابين وكبح تفشي الوباء. اليوم، يبدو أن شكلاً مشابهاً لهذه الوسيلة القديمة، تطور بمساعدة التكنولوجيا الصينية، ليصبح بشكل تطبيق للصحة، يتم تنصيبه على هواتف المواطنين الصينيين، ليبرز لهم ثلاثة ألوان يشير كل منها إلى حالة مستخدم الهاتف الصحية.

يبلغ تعداد سكان جمهورية الصين الشعبية أكثر من 1.4 مليار نسمة، ويمكننا أن نتخيل صعوبة مراقبة الحالة الصحية لكل هؤلاء البشر، ناهيك عن التدقيق في رحلاتهم بين المناطق ومواقع وجودهم. فيما الجزء الأهم هو القدرة على مراقبة المصابين منهم والتأكد من ثباتهم في أماكن الحجر الصحي. هذه الحاجة لمراقبة كل هؤلاء، والتي فرضها تفشي فيروس «كورونا» الجديد، أوجدت أرضية كبيرة يمكن من خلالها استخدام قدرات الذكاء الاصطناعي لعلاج الأزمة. وسريعاً، تم إنشاء تطبيقين متشابهين معنيين بحالة المستخدم الصحية، بعد أن يتم تنصيب أي منهما على هاتف المواطن من خلال تطبيقات «ALIPAY» و«WECHAT»، يقوم المواطن بملء معلوماته الشخصية والصحية اليومية فيه. ليصبح التطبيق مثل جواز السفر. يقوم التطبيق بتسجيل الأماكن التي تنقّل فيها مستخدم الهاتف، مع تحليل تقريره الصحي الذي يدخله المستخدم باستمرار. وبناءً على كل تلك المعطيات، يبرز التطبيق أحد ألوانه الثلاثة؛ اللون الأخضر يعني أن مستخدم التطبيق يُسمح له بالتنقل بين المدن، وتتأكد من ذلك الفرق الطبية والعسكرية المنتشرة على كل مداخل المدن الصينية ومخارجها وكل أماكن البيع والعمل. اللون الأصفر، يعني أن على مستخدم الهاتف أن يحجر على نفسه لمدة أسبوع، فيما اللون الأحمر يعني أن عليه أن يحجر على نفسه لمدة 14 يوماً.

التطبيق يتم استخدامه حالياً في أكثر من 200 مدينة


أمّنت هذه التكنولوجيا الصينية عاملين مهمين في سبيل كبح تفشي فيروس كورونا الجديد: أولهما، البيانات الكبرى (BIG DATA)، والتي من خلال مراكمتها بشكل يومي عبر التطبيق، يصبح من السهل تقديمها لذكاء اصطناعي قادر على التهامها كلها، إذ لا يمكن لأي مجموعة بشرية أن تحلل ذلك الكم الهائل من المعلومات عن ملايين الناس. فيقدم الذكاء الاصطناعي بعدها القدرة للدولة الصينية، ليس فقط على تتبع الحالات المصابة وعزلها، بل على التنبؤ بما يمكن أن يحصل في منطقة ما. إذ يتعلم الذكاء الاصطناعي من السيناريوات التي سبق وحصلت أمامه، ويمكنه أن ينبّه البشر المتلقّين منه التقارير والمعلومات، إلى أن أمراً سيئاً ما في منطقة ما على وشك الوقوع (مثلاً: هروب أحد المصابين والملزم بحجر نفسه من منزله، وهو حالياً في طريق معيّن بالقرب من متجر ما). في هذه الحالة، سيرفع الذكاء الاصطناعي منسوب الخطر والتنبيهات للفرق الطبية والعسكرية، فتقوم بدورها بالقبض على المصاب وإعادته إلى مكان العزل، قبل دخوله إلى المتجر حيث قد يصيب بالعدوى كل من في داخله.
هذا التطبيق يتم استخدامه حالياً في أكثر من 200 مدينة، وتحاول الدولة الصينية توسعة رقعة انتشاره ليشمل كل الصين. وهو يغذي نظام الثقة الاجتماعي (social credit system)، وهو عبارة عن مجموعة من الأدوات، مثل كاميرات التعرّف إلى الوجه، وهي منتشرة في كل الصين وكان الغرض منها بداية قياس أفعال شخص ما، مثل: هل هو مهذب مع غيره من الناس؟ هل يدفع ضرائبه بانتظام؟ هل يقطع إشارات المرور الحمراء والعديد من الأمور الأخرى؟ وبناءً على ما يتم تجميعه من البيانات حول ذلك الشخص، فإن كان من المواطنين الصالحين يمنح امتيازات مثل تخفيضات على تذاكر الباص أو الاهتمام به أكثر في أماكن السفر والعمل، والعكس صحيح. لكن، بسبب تفشي «كورونا» الجديد، تم استعمال هذا النظام في العديد من الأمور، مثل تتبّع إلزام الفرد بأوامر العزل على المناطق أو الحجر المنزلي، كما للمساعدة على قياس حرارة المصابين، إن كان عبر أجهزة استشعار لحرارة الأفراد المارين، تم تنصيبها أخيراً وفي فترات سابقة قبل تفشي «كورونا»، أو عبر الكاميرات الخاصة بالنظام نفسه، إذ لجزء منها القدرة على التصوير الحراري، ويمكن أن تشخّص ارتفاع حرارة مواطن ما عبر ذكاء اصطناعي دوره يكمن في التعرف إلى وجوه المارة وقياس حرارتهم ليغذي بدوره قاعدة البيانات الأساسية للسيطرة على تفشي «كورونا».


حتى الروبوتات كان لها دور منذ بداية الأزمة، إذ تم استخدامها في المستشفيات والأماكن العامة وأماكن الحجر الصحي في العديد من الأدوار، مثل فحص درجة حرارة المصابين وتوصيل الأطعمة والحاجات الأخرى إليهم، وتعقيم المرافق الصحية والطبية والعديد من الشوارع والأزقة بشكل متواصل، هذا كلّه، خفّض نسبة احتكاك الفرق الطبية مع المصابين وحصّنهم من احتمال انتقال العدوى إليهم، كما أتاح لهم الفرصة لمعاينة الحالات الحرجة من المصابين والاهتمام بهم بشكل أفضل. وكما الأنظمة التكنولوجية الأخرى، غذّت الروبوتات أيضاً قاعدة البيانات الكبرى، ما أوجد في النهاية خبرات ومعلومات لا يمكن إيجاد مثيل لها في هذا العالم.
تجميع البيانات الكبرى وقراءتها من قبل ذكاء اصطناعي مختص، ليقوم بتحليلها وبالتنبؤ بما هو قادم، بحسب قراءته لكل الأنماط في البيانات، أمّن للدولة الصينية أن تكون موجودة في كل مكان في الصين. كما أن هذه التكنولوجيا أمّنت مراقبة انتشار الفيروس في منطقة معيّنة عن قرب، ما سهّل عملية قراءة تلك البؤرة وكأنها ساحة حرب مكشوفة لا قدرة للفيروس فيها على الانتصار. يعني هذا كله، عملياً، أنّ البشرية ومن خلال المأساة التي مرّت بها جمهورية الصين الشعبية، دخلت العصر الذي يقاتل فيه الذكاء الاصطناعي إلى جانب البشر، فيما الأهم من ذلك كلّه، أنه بات يوجد لدى الصين اليوم ذكاء اصطناعي تدرّب تحت الحصار الفيروسي، فقدّم أفضل مساهمة ممكنة لقمع تفشي الفيروس، وهذا أمر لا يمكن الوصول إليه إلا عبر حالات مشابهة.