بات من الواضح أن فيروس «كورونا» انتشر في أكثر من 36 ولاية أميركية، حيث تأكّدت إصابة حوالى 755 شخصاً، توفي 26 منهم. حتّى هذه اللحظة، يبدو المشهد واضحاً وشفّافاً، وتظهر فيه المؤسسات والوكالات الأميركية المعنية تقوم بواجبها للحدّ من انتشار الوباء. ولكن في خلفية المشهد، ارتباكٌ ونزاعاتٌ ومشاكل طغت على طريقة تعامل إدارة دونالد ترامب مع المسألة، في امتدادٍ للتخبّط الذي غالباً ما يسم مقاربتها لمستجدات سياسية واقتصادية.

منذ بدء تفشّي فيروس «كورونا» في العديد من دول العالم، انتقدت الإدارة الأميركية الصين وغيرها من الحكومات «لأنها كانت أقلّ من شفّافة» في إطلاع الرأي العام المحلي والعالمي على الواقع. حتّى إنّ العديد من وسائل الإعلام، التي طالما عاكست ترامب، تقاربت معه ومع مسؤوليه في هذا المجال، منتقدة إيران تارة والصين تارة أخرى، وغيرهما من الدول، إن في كيفية تعاطيها مع انتشار فيروس «كورونا»، أو في «عدم اعتمادها الشفافية» في ما يخصّ أعداد المصابين أو الوفيات جراء تفشّيه. وقد وصل الأمر إلى حدّ أن صحُفاً عدّة خطّت مقالات مع أجل إعطاء النصائح لهذه الدول، على اعتبار أنّ الولايات المتحدة دائماً ما تكون «أمثولة» على هذا الصعيد، كما على مختلف الصُعد.
مع الوقت، تبيّن أن لغة التنظير التي استخدمتها هذه الأطراف مُجتمعة، باتت مطلوبة في الداخل الأميركي، في ظل انتشار الوباء، مدفوعاً بتجاهل الإدارة ــــ ممثّلة بشخص ترامب ــــ لتحذيرات كثيرة بشأنه، إضافة إلى غياب التنسيق والشفافية أمام الرأي العام، عند مقاربة هذه المسألة. عادت وسائل الإعلام إلى قواعدها، معتمدة خطاباً نقدياً حيناً، وهجومياً أحياناً، تجاه الإدارة الأميركية في كيفية تعاملها مع تفشّي فيروس «كورونا». وعليه، حفلت الصحف، خلال اليومين الماضيين، بالتقارير التي تحدثت عن نزاعات خاضها الكثير من الخبراء والمسؤولين، في سبيل إقناع ترامب بضرورة القيام بخطوات وقائية، لاحتواء الفيروس قبل انتشاره في البلاد. أجمعت كلّ من «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«بوليتيكو» و«سي أن أن»، على أنّ السبب في تعاظم المشكلة يعود إلى تعامي الإدارة عن مؤشرات عدّة، وتحوّلها إلى تطمين الناس، في الوقت الذي كان يجب أن تمارس فيه فعل التنبيه والتحذير من انتشار المرض.

بدا من الواضح أن ترامب قوّض العديد من الجهود الرامية إلى محاربة انتشار الفيروس


واستناداً إلى ما أجمع عليه كثيرون، فقد بدا من الواضح أن ترامب قوّض العديد من الجهود الرامية إلى محاربة انتشار فيروس «كورونا»، وذلك على مدى ستة أسابيع خلف الكواليس، والآن في العلن، إن عبر مقاومته محاولات لوضع مخططات لأسوأ السيناريوات، والتدخّل لتعديل خطّة ما بناء على مطالب حلفاء سياسيين، أو عبر ترداد تحذيرات يختار الاستماع إليها فقط. في العموم، تميّزت محاولات إدارة ترامب لمنع تفشّي الوباء ــــ الذي كان ينتشر سريعاً في العالم ــــ بجدال داخلي عنيف عن المدى الذي يجب الذهاب إليه في إخبار الأميركيين بالحقيقة. حتى عندما رفع العلماء والخبراء التابعون للحكومة درجة الإنذار، ودفعوا باتجاه اتخاذ إجراءات وقائية جدّية، كانوا يواجَهون بشكوك وصدٍّ في البيت الأبيض ــــ وخصوصاً من قبل الرئيس ــــ وذلك خوفاً من إثارة ذعر الأسواق المالية. «سينجح الأمر»، عبارة قالها ترامب، منذ أيام قليلة، مؤكداً أنه «يجب على الجميع أن يبقوا هادئين، سينجح الأمر». استناداً إليها، قد يبدو الرئيس الأميركي مقتنعاً بأن الوباء منتشر في الولايات المتحدة، التي تعمل على احتوائه، وبالتالي متأكداً من أنها ستنجح في ذلك.
لكنّ ترامب كان قد أطلق العديد من التصريحات التي ساهمت في تضليل الرأي العام، فضلاً عن رسائل مختلفة صادرة عن البيت الأبيض، في كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير، تحدّثت عن احتواء الفيروس، أو السيطرة عليه، رأى فيها كثيرون سبباً وراء عدم تجهُّز المنشآت الصحية لاحتواء الوباء. وقد يكون أبلغ مثال على ما تقدّم، تأكيد ترامب، خلال مشاركته في «منتدى دافوس»، في كانون الثاني/ يناير، أنّ الفيروس «تحت السيطرة»، مضيفاً إنّ «كل شيء سيكون على ما يرام».
وفق الروايات المختلفة، كان ترامب ومساعدوه، حينها، غير مقتنعين بمدى جدية تهديد فيروس «كورونا»، حتى إن الرئيس بدا غير مهتمّ بالأمر، طالما أنّ الفيروس ينتشر في الخارج. في البداية، عندما بدأ في المشاركة في النقاشات بهذا الشأن، قلّل من أهمية الـ«الكورونا»، فغرّد، في شباط/ فبراير، قائلاً إن «فيروس كورونا مسيطر عليه جداً في الولايات المتحدة». بعدها، تحوّل ترامب إلى واجهة للتضليل والتشويش، ولا سيما عند زيارته «مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها»، حيث أطلق العديد من الأخبار المغلوطة، مدّعياً بأنّ «أيّ شخص بحاجة إلى إجراء اختبار، فليجرِ اختباراً. لديهم الاختبار. والاختبار جميل (beautiful)». ربّما كان المركز يملك بالفعل المعدّات المتخصّصة لإجراء ذلك الاختبار، إلّا أنّ المعلومات التي صدرت عن ترامب كانت منقوصة، على اعتبار أنّ تلك المعدّات عانت من عطبٍ أدّى إلى تأخير الكشف عن انتشار الفيروس في أنحاء الولايات المتحدة.
مع الوقت، وبينما كان يزداد عدد المصابين بفيروس «كورونا»، بات ترامب متمسّكاً بالتعداد اليومي للإصابات، موجّهاً هواجسه إلى مقارنة الولايات المتحدة مع دول أخرى، ومردّداً أنه يريد أن تبقى الأرقام منخفضة قدر الإمكان. حتى إنه صرّح، خلال زيارته «مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها»، بأنه لم يكن ميّالاً للسماح لـ 21 شخصاً يحملون الفيروس موجودين على متن سفينة سياحية عند سواحل كاليفورنيا، بالدخول إلى الأراضي الأميركية. قال، يومها، إنه سيسمح لخبراء الصحة باتخاذ القرار بهذا الشأن، لكنّه أعاد التشديد على موقفه المبني على قلقه من أنّ ذلك سيزيد من عدد الأشخاص المصابين في الولايات المتحدة، بمعنى آخر ومباشر «أفضّل بقاء الأرقام كما هي».
ربّما واجه خبراء الصحّة والمسؤولون المعنيون طوفاناً من التحديات، من البداية، إن كان على مستوى التعاون بين الوكالات المختلفة التي تتميّز بعلاقات هشّة في ما بينها، أو على مستوى التجهيزات اللوجستية، إلا أنّ ترامب بقي التحدّي الأكبر. حتّى في مقاربته لهذا الملف، فضّل الرئيس الأميركي الحسابات، وإن لم تكن هنا مادية، فقد تكون انتخابية، وربّما مبنية على إصراره على الحفاظ على صورة التفوّق الأميركي ــــ حتى إن لم يوجد ــــ في مواجهة التخبّط الذي عانت منه الصين، وغيرها من الدول.