تقاتل إسرائيل نفسها منذ أكثر من عام بلا حسم. انتخاباتٌ عامة تعاد للمرة الثالثة حال عام واحد، ولا يبعد أن تعقبها رابعة، في ما يشبه الدوران في حلقة مفرغة. يتصارع اليمين والأحزاب الدينية مع أحزاب الوسط ــــ اليسار من جهة، وتتنازع مكوّنات كلّ معسكر الشريحة الناخبة نفسها من جهة ثانية، ويخوض المتديّنون والعلمانيّون صراعاً على حدّ السيف من جهة ثالثة، فيما تسعى أحزاب فلسطينيّي عام 48 إلى حيازة مكانة مرفوضة ضمن اللعبة السياسية الإسرائيلية. وإلى جانب ما تقدّم، تبرز الشخصنة كسمة طاغية على العمليات الانتخابية الثلاث؛ إذ تكاد تكون انتخابات «الكنيست» مُخصّصة لتحديد مصير شخص واحد هو رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، الذي يواجه تهم فساد ورشى، ويقاتل ــــ على رغم اتهامه وقرار بدء محاكمته ــــ على بقائه السياسي بعناد، في ظلّ إمساكه بحزب «الليكود»، وتأييد كبير من أحزاب اليمين له، على اختلاف دوافعها لهذا الدعم.

واحدة من مميّزات هذه الانتخابات، أيضاً، هي فقدان البرامج السياسية التي طالما اتّسمت بها الانتخابات العامة في إسرائيل، وتحديداً في ما يتعلّق بالعملية السياسية مع الفلسطينيين، ليحلّ مكانها التنافس على التطرّف والطروحات اليمينية، في كيان باتت فيه غَلَبة اليمينية أكثر من واضحة: انزياح الأحزاب اليمينية إلى الإفراط في التطرّف، وانزياح الأحزاب الوسطية إلى اليمين، في حين يكاد اليسار يختفي من الخريطة، ويتحوّل إلى تهمة يعاب بها السياسيون. على هذه الخلفية، يمكن فهم التسامح في توصيف الأحزاب والكتل المتنافسة على مقاعد «الكنيست» الـ 120 بين يمين ويمين زائد ويمين ناقص، في ظلّ حالة الشخصنة الطاغية، وغياب البرامح السياسية التي تكاد تكون مستنسخة وربما أيضاً خارج الاهتمام الفعلي للناخبين، الذين باتوا أسرى كاريزما السياسيين وتوصيفاتهم، ومدى تطرّفهم العملي إزاء الفلسطينيين، وابتعادهم عن العملية السياسية التي يتسبّب مجرّد ذكرها بخسارة ناخبين.

أشار آخر استطلاعات الرأي إلى تعادل بين حزبَي «الليكود» و«أزرق أبيض»


في الترجيحات، يُتوقّع أن تكون نتيجة الانتخابات غير حاسمة. إذ أشار آخر استطلاعات الرأي، أمس، إلى تعادل بين حزبَي «الليكود» و«أزرق أبيض» بـ 34 مقعداً لكلّ منهما، مع شبه تساوٍ بين كتلة اليمين والأحزاب الدينية من جهة وكتلة الوسط ــــ اليسار من جهة أخرى، والتي تضاف إليها مقاعد أحزاب فلسطينيي 48، إذ من المتوقع أن تفوز الأولى بـ 57 مقعداً، والثانية بـ 56 مقعداً. أما حزب «إسرائيل بيتنا»، الذي بات أسير مواقفه ضدّ المتدينين، فيُقدَّر أن يفوز بـ 7 مقاعد. معنى ذلك، أن أيّاً من الكتلتين لن تكون قادرة على حيازة 61 مقعداً، ما يعيد المشهد السياسي إلى ما كان عليه في أعقاب العمليتين الانتخابيتين السابقتين، ويرجّح التوجه إلى انتخابات رابعة، إن استمرّت مواقف الأطراف على حالها، من دون تليين أو تغيير يمكن أن يؤدي إلى توافق ما لتشكيل ائتلاف حكومي.
مع ذلك، تتنافس الكتلتان على عدد محدود جداً من المقاعد، يمثلّ ما تسمّيه أوساط «الليكود» الأصوات اليمينية الضائعة، والتي تُقدّر وفقاً لمستشاري نتنياهو بـ 300 ألف ناخب. هؤلاء، إن نجح «الليكود» في اجتذابهم إلى صناديق الاقتراع، فمن شأن أصواتهم تغيير النتيجة وحسمها لمصلحة اليمين، وخاصة أن ما يبعد الكتلة اليمينية عن الأغلبية هو ثلاثة أو أربعة مقاعد فقط. على هذه الخلفية، سعى نتنياهو، في الأيام الأخيرة، إلى تقديم نفسه للإسرائيليين على أنه الشخصية الوحيدة القادرة على تحقيق مصالح الكيان الأمنية والسياسية، وعلى رأسها ضمّ الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وفقاً لـ«صفقة القرن» الأميركية، في ظلّ توجّه لإقرار سلّة مشاريع وقرارات استيطانية كانت مجمّدة. بادر نتنياهو، أيضاً، إلى مخاطبة اليهود الفلاشا، واستقدام العشرات منهم من إثيوبيا سعياً إلى كسب أصواتهم. كما جال على مناطق تُعدّ مؤيدة لـ«الليكود»، لكنها شهدت تراجعاً في نسبة التوجّه إلى صناديق الاقتراع، ومن هنا كان توجيه نشطاء الحملات الانتخابية بالاحتكاك المباشر مع كلّ الناخبين. فهل ينجح نتنياهو هذه المرة في إيصال اليمين والأحزاب الدينية إلى 61 مقعداً من دون «إسرائيل بيتنا»؟ الترجيحات تشير إلى إخفاقه، وإن كان يتعذّر نفي المفاجآت.
مهمّة حزب «أزرق أبيض» تبدو أكثر صعوبة. فاستطلاعات الرأي تتوقع لأحزاب الوسط واليسار الفوز بـ 42 مقعداً، ترتفع إلى 56 إن أضيفت إليها المقاعد الـ 14 لأحزاب فلسطينيّي 48، لتظلّ بذلك بعيدة عن أغلبية الـ 61، و«ملطّخة» أيضاً بمقاعد فلسطينية يتعذّر الائتلاف معها علناً. تبقى خيارات «أزرق أبيض» على حالها، كما كانت عليه في الانتخابات السابقة، أي السعي إلى تفكيك كتلة اليمين، وسحب مقاعد منها على أمل الوصول إلى الأغلبية، لكن هذا الهدف يبدو متعذّراً في ظلّ وجود اتفاق بين أحزاب اليمين على عدم المشاركة في حكومة لا يرأسها نتنياهو.
ما لم ينجح اليمين والأحزاب الدينية، «الحريدية» والقومية، في الفوز بـ 61 مقعداً، وتتمكّن من تشكيل حكومة ضيّقة، فالأرجح أن تكون إسرائيل، خلافاً لمصلحتها، على موعد مع انتخابات رابعة.