قبل أقلّ من شهر على عرض الموازنة السنوية، التي تهدف هذا العام إلى وضع حدّ لعقد من التقشّف و«إطلاق العنان لإمكانات بريطانيا»، استحوذ رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، أمس، على وزارة الخزانة، بعد استقالة وزير المال، ساجد جاويد. الخطوة، التي يمكن وضعها في إطار مساعي جونسون إلى تغيير الحكومة بعد «بريكست»، جاءت في أعقاب محاولات رئيس الوزراء استخدام عملية إعادة تنظيم الحكومة ليتخلّص من عدد من مساعدي جاويد، بحسب مصدر مقرّب من الوزير المستقيل. وعلى رغم أن تقارير كانت قد تحدّثت عن التوتّرات بين جاويد ودومينيك كامنغز، كبير مساعدي جونسون، إلا أن استقالة الأول تبقى مفاجئة؛ ذلك أنه طالما اعتُبر في منأى عن أيّ تغيير. وقال مصدر قريب من جاويد إن «رئيس الوزراء قال إنه اضطر إلى إقالة جميع مستشاريه الخاصين، واستبدالهم بمستشاري الحكومة الخاصين لتشكيل فريق واحد»، لكن الوزير رأى أنه «لا يمكن لوزير يحترم نفسه أن يقبل بهذه الشروط».

إقالة جاويد تنطوي على دلالات عدّة، ولا سيما لجهة المدى الذي يمكن أن يذهب إليه جونسون بهدف تنفيذ وعوده، التي تعتبر متطرّفة وغير منطقية في كثير من الأحيان. وبحسب صحيفة «ذي غارديان»، فإن جونسون وفريقه كانوا غاضبين من دور جاويد في القرارات الكبيرة؛ إذ إن رئيس الحكومة يريد الاستفادة من الغالبية التي يتمتّع بها في مجلس العموم كي يتّخذ بعض القرارات المثيرة للجدل، ومن ضمنها تلك المتعلّقة بالضرائب والإنفاق، في حين أن جاويد يميل إلى نهج أكثر حذراً، بحسب مقرّبين منه. وعليه، ارتأى جونسون أن الشخص المطلوب بدلاً من جاويد هو نائبه ريشي سوناك (39 عاماً)، المصرفي السابق والمؤيد لـ«بريكست»، والذي يُعتبر مقرّباً من الحكومة. واعتبر محلّلون أن الوزير الجديد يمكن أن يفتح الطريق لمزيد من الإنفاق العام والنمو. ويبدو أن سوناك أكثر انسجاماً مع جونسون من سلفه في دعم تليين السياسة المالية، بحسب ما قال بول داليس، كبير خبراء الاقتصاد في «كابيتال إيكونوميكس». ولفت داليس إلى أن «هذه الخطوة تهدف إلى السماح للحكومة بزيادة الاستثمارات العامة بشكل أكبر، وربما إنعاش الخفض الضريبي الذي توقف في السابق».
وتؤكد مغادرة جاويد إصرار رئيس الحكومة على الإمساك بكلّ رافعات القوة في السياسة الاقتصادية. كما تؤكد أن السياسة الاقتصادية والضرائبية تنحو في اتّجاه أكثر تطرّفاً، وصفه البعض بـ«غير المحسوب»، وذلك في الوقت الذي يسعى فيه جونسون إلى الوفاء بوعده بـ«رفع مستوى بريطانيا». من ناحية أخرى، تمثل استقالة جاويد تحدّياً لسلطة جونسون، الذي كان قد امتنع عن إجراء تغيير حكومي فور فوزه بانتخابات كانون الأول/ ديسمبر الماضي، واختار الانتظار إلى حين خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي. وأقال جونسون، في وقت سابق، وزيره لشؤون إيرلندا الشمالية، وهو ما أثار جدلاً كبيراً، على اعتبار أن جوليان سميث ساعد على إنهاء الفراغ السياسي الذي استمرّ لثلاث سنوات هناك، عبر إقناع الحزبين الرئيسيين بالعودة إلى حكومة تقاسم السلطة الشهر الماضي. وفي السياق، أشاد العديدون، وعلى رأسهم رئيس وزراء إيرلندا ليو إريك فرادكار، بجهود سميث، حيث قال إنه «واحد من أفضل السياسيين في تاريخ بريطانيا». غير أن صحيفة «تايمز» أشارت إلى أن جونسون «صُدم» بالاتفاق، لأنه اشتمل على تحقيق في جرائم يشتبه بأن جنوداً بريطانيين ارتكبوها خلال عقود من العنف المذهبي في إيرلندا.
كذلك، خرجت من الحكومة وزيرة الأعمال أندريا ليدسون، ووزيرة البيئة تيريزا فيليس، والمدعي العام جفري كوكس. وعُيّن وزير المساعدات السابق، ألوك شارما، وزيراً للطاقة ومسؤولاً عن قمة المناخ الأممية «كوب 26»، التي ستعقد في مدينة غلاسكو الاسكتلندية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020. وكانت المسؤولة السابقة عن القمة، كلير أونيل، قد أُقيلت الشهر الماضي، لتردّ بهجوم قاسٍ على قيادتها، محذّرة من أن التخطيط للقمة «خاطئ تماماً». أما الوزيران اللذان بقيا في منصبيهما فهما، وزير الخارجية دومينيك راب، ونائب جونسون مايكل غوف.