أعطى الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال زيارته إلى إسرائيل، موافقته على طلب بنيامين نتنياهو المباشرة في «حوار استراتيجي» بين تل أبيب وباريس. يُظهر هذا القرار اتجاه السياسة الفرنسية نحو المزيد من التطابق مع السياسة الإسرائيلية. كثيراً ما توصف العلاقات الفرنسية - الإسرائيلية بالعاطفية، وهي، على الرغم ممّا شهدته من فتور في مراحل غير قصيرة، قد تعزّزت على مستوى التعاون الثقافي والعلمي والاقتصادي والسياسي منذ عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي. فمنذ أكثر من عقد، لم يعد تطور العلاقات الثنائية بين الجانبين مرتبطاً بتقدّم مسار التسوية مع الفلسطينيين، إذ أن حواراً استراتيجياً بين وزارتَي خارجيتيهما بدأ سنة 2009. وفي حزيران 2018، أجرت البحرية الفرنسية، للمرة الأولى، مناورات عسكرية مشتركة مع تلك الإسرائيلية لتحسين مستوى «التنسيق» بينهما في المتوسط. ولم يعد للتوترات التي تبرز بين الفينة والأخرى، وآخرها اقتحام قوة أمنية إسرائيلية للمركز الفرنسي في القدس لفرض إلغاء نشاط ثقافي، تأثير جدّي على أهمية التعاون الفرنسي - الإسرائيلي وعمقه.

في سياق كهذا، يرى العديد من المراقبين أن الإعلان عن «حوار استراتيجي» بين الجانبين حول آفاق تعاونهما العسكري وقضية الطاقة في المتوسط والملفات الإقليمية محكوم أساساً باعتبارات سياسية دعائية. فالحوار الاستراتيجي بينهما قائم، ولكن إضفاء الطابع الرسمي عليه يسمح بتطويره وتعميقه، ما يشكّل قطيعة مع المقاربة الفرنسية التقليدية المتحفّظة نسبياً للعلاقات مع إسرائيل. وفي ظلّ تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، بات الانطباع الغالب هو أن إيمانويل ماكرون شرع في استدارة سياسية تخلّى معها عن مزاعمه عن الحرص على الموقف المتوازن لفرنسا حيال مختلف الأفرقاء الإقليميين. جان ماري كولان، المتخصّص في شؤون الدفاع في «مجموعة الأبحاث حول السلام والأمن»، يعتقد أن غاية ماكرون الحقيقية من إبراز قوة علاقاته مع إسرائيل هي السعي إلى كبح جموحها قدر الإمكان. وبحسب الخبير الفرنسي، فإن «رغبة الدبلوماسية الفرنسية في بناء علاقات مميزة مع عدة قادة سياسيين ناتجة من عزمها على تحقيق تقدم في عدة ملفات شائكة». والمقاربة نفسها معتمدة مع الروس والأميركيين والإسرائيليين. ففي أيلول 2009، حاول إيمانويل ماكرون، من دون أن ينجح، جمع الأميركيين والإيرانيين خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة.

يرى مراقبون أن الإعلان عن «حوار استراتيجي» محكوم أساساً باعتبارات سياسية دعائية


يخالف ديدييه بيون، نائب مدير «معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية»، هذا التحليل تماماً. هو يجزم بأن فرنسا أصبحت أكثر انحيازاً إلى الموقف الإسرائيلي في بيئة جيواستراتيجية إقليمية شديدة الاضطراب. ووفقاً لبيون، فإن ماكرون حاول بدايةً التأثير على الأميركيين من خلال إظهار صداقته لترامب بطريقة استعراضية، على الرغم من أن الأخير لا يفهم سوى لغة القوة الفجّة، لكنه سرعان ما تبنّى المطالب الأميركية في ما يتصل بالملف النووي الإيراني. في آذار 2018، عشية زيارته لإيران، قال جان إيف لودريان، وزير الخارجية، في مقابلة مع الصحافة الفرنسية، إنه ذاهب إلى طهران ليطالب الإيرانيين بوقف تطوير صواريخهم الباليستية والامتناع عن التدخل في الأزمات الإقليمية. في اليوم التالي، عنونت صحيفة إيرانية محسوبة على المحافظين أن دمية الأميركيين ستزور إيران. لقد فشلت مهمة لودريان قبل بدايتها. إذا تجاوزنا التركيز الشكلي على أهمية الحوار، فإن الفرنسيين يتحدثون بالنيابة عن الأميركيين.
بعد اغتيال قاسم سليماني، اتصل ماكرون بترامب ليبلغه تضامنه الكامل مع الولايات المتحدة، وهو ما يعني أن فرنسا تقف في معسكر الأخيرة على المستوى الاستراتيجي، برأي بيون، الذي يعرب عن اقتناعه بأن السياسة الفرنسية، بمعزل عن خطابها السيادي الذي يؤكد عدم انحيازها إلى أيّ طرف، قد شهدت تحولات مهمة على مستويات عدة. في 16 تموز 2017، وبحضور بنيامين نتنياهو، أعلن ماكرون أن العداء للصهيونية هو الشكل المستجدّ للعداء للسامية. وفي هذا الإطار، يعتبر بيون أن «الخلط المتعمّد بين العداء للصهيونية والعداء للسامية فضيحة على المستوى الفكري، وخطر على المستوى السياسي، لأن المقصود هو منع أيّ نقد لإسرائيل». ويأتي تزامن الإعلان عن حوار استراتيجي فرنسي - إسرائيلي مع الازدراء الكبير الذي أظهره ماكرون تجاه نظيره الفلسطيني، محمود عباس، الذي اضطر إلى الانتظار أربع ساعات قبل أن يقابله، ليشكّل ذلك في نظر بيون مؤشراً على خيار التطابق مع التوجّهات الإسرائيلية. لا يمكن تفسير هذا الخيار بدوافع أيديولوجية، لأن «ماكرون براغماتي، بل وحتى انتهازي، ليست لديه قناعات على رغم إعجابه بإسرائيل وإنجازاتها في مجالات العلوم والتكنولوجيا. أعتقد، إضافة إلى ذلك أن الدولة العميقة في فرنسا تلعب دوراً مهماً. ففي وزارة الخارجية، يمارس تيار المحافظين الجدد المؤيد لإسرائيل ضغوطاً فعّالة على الرئاسة»، يختم بيون.