ليست هذه هي المرة الأولى التي تُقدَّم فيها في إسرائيل لائحة اتهام جنائية ضدّ رئيس وزراء، لكنها المرة الأولى التي تُقدَّم فيها اللوائح ضدّ رئيس وزراء لا يزال في منصبه. فبينما كان بنيامين نتنياهو يستعدّ، أول من أمس، مع صديقه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لعرض «صفقة القرن»، سَحَب الأول طلب منحه الحصانة من طاولة «الكنيست»، أخذاً في الاعتبار أن الغالبية (65 عضواً من أصل 120) كانت ستصوّت ضدّ منحه إياها. ولم تكد ساعات قليلة تمرّ على ذلك حتى قدّم المستشار القضائي للحكومة، أفيحاي مندلبليت، لائحة الاتهام إلى المحكمة المركزية في القدس. إنها «الدراما غير القابلة للاستيعاب في حياة نتنياهو»، على حدّ ما وصف به المحلّل السياسي في صحيفة «هآرتس» العبرية، يوسي فرتر، ما جرى لرئيس الوزراء خلال الساعات الـ24 الماضية، معتبراً أنه «حتى لو منح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وصهره جاريد كوشنر، القمر والكواكب لنتنياهو لكي يضمّها للسيادة الإسرائيلية ويُنشئ فوقها المستوطنات، لن ينجو من المحاكمة». والسبب، أنه في غضون شهور قليلة ستكون الإجراءات الفعلية لمحاكمته قد بدأت، بغضّ النظر عما إذا كانت ستطول مدتها، أو ستجري بينما لا يزال هو في منصبه... فالمهمّ أنه في نهاية الأمر سيصدر الحكم بحقه، وكلّما تقدّم الوقت كلّما اقتربت «المقصلة» من «عنق» حياته السياسية.

وبما أن مندلبليت قدّم اللائحة، فمن المفترض أن تُعقد الجلسة قريباً. أمّا بالنسبة إلى المكان، فبحسب قانون أساس الحكومة، تُقدَّم لائحة الاتهام ضدّ رئيس وزراء لا يزال في المنصب إلى المحكمة المركزية في القدس، فيما يتولى إدارتها ثلاثة قضاة يختارهم رئيس المحكمة المركزية، أهرون فركش. وكما هو متوقّع، فإن محامي نتنياهو سيطلبون عقد الجلسة الأولية بعد انتخابات «الكنيست» الثالثة، لكي يتمكنوا من الحصول على الوقت الكافي لقراءة موادّ التحقيق التي ستُحوّل إليهم في خلال أيام، علماً أنهم تلقوا جزءاً من المواد قبيل الجلسة السابقة التي عُقدت في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، على أن يحصلوا على المزيد قبيل الجلسة المقبلة. بعد تقديم لائحة الاتهام للمحكمة، تبدأ الجلسات التمهيدية التي تُقرأ خلالها لوائح الاتهام أمام المتهمين، في انتظار تعليقهم وتعبيرهم عن رفضهم أو موافقتهم. بعد ذلك، يأتي دور الشهود، البالغ عددهم في القضايا المتهم فيها نتنياهو 300 شاهد بينهم رجال شرطة. في هذه المرحلة، التي يُتوقّع أن تُقلَّص إلى أقصى حدّ ممكن (علماً أنها في القضايا الجنائية العادية تمتدّ لشهور)، يبدأ مسار تقديم الأدلّة من قِبَل الشهود الكثر، ومن بينهم الوزيران غلعاد إردان، وزئيف إلكين، وعضو «الكنيست» يائير لابيد، و«شاهدو الملك» آري هارو، ونير حيفتس، وشلومي فيلبير، وأيضاً رجال الأعمال أرنون ميلتشين، جيمس بارك، ورون لاودر، ورئيسا «الشاباك» و«الموساد» السابقان تامير باردو، ويوفال ديسكين.

يبلغ عدد الشهود في قضايا فساد نتنياهو 300 وهو ما سيطيل أمد جلسات المحكمة


إزاء تلك المسارات، هل يَمثُل نتنياهو أمام المحكمة قبل الانتخابات؟ يجبر القانون الإسرائيلي كلّ متهم على المثول أمام المحكمة لقراءة لائحة الاتهام الموجّهة ضدّه، ولكن في حالات معيّنة يمكن للمتهم الحصول على إعفاء من الحضور. وفق صحيفة «يديعوت أحرونوت»، فإنه «لهذا السبب، حتى لو عُقدت الجلسة قبل الانتخابات، فإن نتنياهو لن يصل إلى المحكمة على ما يبدو». بعد ذلك، يمكن للمحكمة إعطاء طاقم الدفاع وقتاً لدراسة مواد التحقيق، حتى يتمكّن المتهمون من صياغة موقف واضح إزاء لائحة الاتهام. وعليه، فإن المحاكمة قد تستمرّ، على أقلّ تقدير، بضع سنوات. والجدير ذكره، هنا، أن لوائح الاتهام في قضية «تلنسكي» ضدّ رئيس الوزراء السابق، إيهود أولمرت، قُدّمت في عام 2009، لكن القضية لم تنتهِ قبل عام 2012 . وفي ملف «هوليلاند» الذي قُدّم أيضاً ضد أولمرت، كانت جلسات الشهود تُعقد بصورة مكثّفة ويومية، ومع ذلك استمرّت المحاكمة سنتين. وفي انتظار صدور حكم المحكمة المركزية في قضايا الفساد المتهم فيها نتنياهو، وإحالته إلى المحكمة العليا التي من المفترض أن تتخذ القرار النهائي في شأنه، من المتوقع أن تستحق خلال هذه السنوات أكثر من انتخابات «كنيست». ولذا، فإن الحياة السياسية لنتنياهو ستستمرّ لسنوات على الأقلّ، ولو أنها ستنتهي عاجلاً أم آجلاً بعد صدور الحكم أو خلال صياغته.
على هذه الخلفية، قد يضطر نتنياهو للتوقيع على صفقة مع النيابة العامة، وهو خيار متاح لأيّ متهم في كلّ مرحلة من مراحل المحاكمة. يعني ذلك أن يعترف بموجب الصفقة بالتهم الموجهة ضدّه مقابل عقوبات مخفّفة، أو عدم دخوله السجن. في جميع الأحوال، فإن أيّ صفقة من هذا النوع ستتضمّن إبعاده لسنوات عن الحياة السياسية، وغرامات مالية، وربما سجنه بشروط. لكن ما قد يطيل نَفَسه هو أن الهامش القانوني في إسرائيل لا يمنعه من الترشّح لرئاسة الوزراء، أو حتى البقاء في المنصب خلال سريان محاكمته، طالما لم يُدن.
وتُوجِّه لائحة الاتهام لنتنياهو تهم «الإضرار بصورة الخدمة العامة وثقة الجمهور فيها، وإساءة استغلال المنصب والمكانة لتلقّي رشى مقابل تسهيل إجراءات معيّنة لمانحي هذه الرشى». ففي القضية «1000»، يُتهم نتنياهو بالحصول على هدايا ورشى من رجال أعمال، من بينهم رجل الأعمال ومنتج الأفلام الأميركي، الإسرائيلي الأصل، أرنون ميلشين. وفي القضية «2000»، يُتّهم بمحاولة إضعاف صحيفة «إسرائيل اليوم» (عبر إفشال قانون خاص بالنشر في الكنيست) تلبية لرغبة مالك صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أرنون موزيس، الذي وعده في المقابل بتغطية صحافية إيجابية في صحيفته. أما في القضية «4000»، فإن نتنياهو متهم بتحقيق مصالح رجل الأعمال وأحد المساهمين الأساسيين في شركة الهواتف الأرضية الإسرائيلية «بيزك»، شاؤول إيلوفيتش، مقابل حصوله على تغطية صحافية إيجابية في موقع «واللا» الذي يملكه الأخير.