يبدو أن مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، جون بولتون، يقترب، أكثر فأكثر، من منصّة الشهود في محاكمة عزل الرئيس دونالد ترامب. المقتطفات التي نُشرت من كتابه، في صحيفة «ذي نيويورك تايمز»، عن الضغط الذي مارسه ترامب على الحكومة الأوكرانية، غَيّر المعادلة بما يسمح للديمقراطيين بتحقيق مطلبهم باستدعاء شهود، وأبرزهم بولتون، أمام مجلس الشيوخ. ويخضع الملياردير الجمهوري لمحاكمة تاريخية، لأنه طلب من أوكرانيا التحقيق حول جو بايدن وأعمال نجله هانتر بايدن في هذا البلد الذي يستشري فيه الفساد. ويؤكد بولتون، في كتاب يصدر قريباً، أن ترامب أَسَرّ له في آب/ أغسطس أنه لا ينوي الإفراج عن مساعدة عسكرية مُوجّهة إلى أوكرانيا من دون التحقيق حول بايدن. ونفى ترامب ذلك، قائلاً: «لم أقل يوماً ذلك» لبولتون، متهماً مستشاره السابق الذي أقيل في أيلول/ سبتمبر بأنه يريد «الترويج لكتابه». وعلى خلفية ما نُشر في «ذي نيويورك تايمز»، اضطرّ محامو الرئيس، المتّهم بـ«استغلال السلطة» و«عرقلة عمل الكونغرس»، إلى إدخال تغييرات على استراتيجيتهم ومهاجمة بايدن ونجله.

وفي الوقت الذي يحتاج فيه الديمقراطيون إلى أربعة أعضاء جمهوريين لاستدعاء مستشار الأمن القومي السابق، اقترح العديد من الجمهوريين التصويت لصالح استدعاء بولتون. وفي هذا الإطار، أفادت وسائل إعلام أميركية بأن زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، لم يجمع حتى الآن الأصوات اللازمة لمنع استدعاء شهود إلى المحاكمة. ونقلت صحف «وول ستريت جورنال» و«واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز»، عن مصادر لم تسمّها أن السيناتور النافذ قال، خلال اجتماع مغلق مع أعضاء المجلس الجمهوريين، إنه لا يملك حالياً الدعم الكافي لرفض طلب استدعاء الشهود. ومن المقرّر أن يصوّت مجلس الشيوخ، غداً، على المسألة، علماً أن الأغلبية البسيطة تكفي لبتّها. ويكفي أن يصوّت أربعة سيناتورات جمهوريين مع السيناتورات الديمقراطيين الـ47، كي يرسل مجلس الشيوخ مذكّرات استدعاء للشهود، وهو أمر من شأنه أن يطيل أمد المحاكمة قليلاً. ومع أن جلسة التصويت المطوّلة، التي عُقدت في مستهلّ المحاكمة الأسبوع الماضي، لم تُظهر أيّ تصدّعات في المعسكر الجمهوري، إلا أن المعلومات الجديدة التي ظهرت أخيراً في المقال المرتبط بكتاب بولتون غيّرت هذه المعادلة.

اقترح العديد من الأعضاء الجمهوريين التصويت لصالح استدعاء بولتون


بناءً على ما تقدّم، طلب ترامب من مجلس الشيوخ تبرئته «بأسرع ما يمكن». وقال محامي البيت الأبيض، بات تشيبولونيه، أمام أعضاء مجلس الشيوخ، إن الديمقراطيين: «يطالبونكم بطرد رئيسٍ يعرف نجاحات عشية انتخابات، من دون سبب وفي انتهاك للدستور». وأضاف: «حان وقت الانتهاء في أسرع وقت ممكن». كذلك، نبّه محامي الرئيس الشخصي، جاي سكولوف، إلى أن هذه المحاكمة «ليست لعبة تسريبات في الصحافة و(عرض) مخطوطة غير موثقة»، قائلاً في إشارة إلى المقتطفات التي نشرتها «نيويورك تايمز » من كتاب بولتون: «لا يمكنكم عزل رئيس بالاستناد إلى ادّعاء غير موثوق». وتساءل سكولوف: «تعزلون رئيساً لأنه طرح أسئلة؟». من جهته، دعا المرجع الدستوري، آلان ديرشوفيتز، العامل ضمن فريق ترامب، إلى «ترك الأمر للناخبين»، معتبراً أنه «لا شيء في ما كشفه بولتون، حتى إذا كان صحيحاً، يمكن أن يكون بمستوى استغلال الثقة والعزل»، وهو ما يتجاوز الحجّة الأساسية للبيت الأبيض، المتمثلة في أنه «لم تتمّ ممارسة ضغوط» على كييف، ولا اللجوء إلى مبدأ «تحقيق مصلحة للطرفين»، والذي يعني أن تقديم المساعدة العسكرية كان مشروطاً بفتح تحقيق حول بايدن.
في المقابل، كرّر الأعضاء الديمقراطيون مطالباتهم بأن يدلي بولتون بشهادته، ولا سيّما أن الأخير كان قد أعلن استعداده لذلك. ورأى زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، أول من أمس، أن «التفاصيل (التي كشف عنها بولتون) هي في صلب الاتهام المُوجّه إلى» ترامب، لافتاً إلى أن «الرئيس ترامب والسيد بولتون قالا أموراً متناقضة تماماً، وواحد فقط منهما يرغب في الإدلاء بشهادته تحت القَسَم». لكن، حتى إذا كسب الديمقراطيون معركة استدعاء بولتون لتقديم شهادته، يبدو أنهم سيخسرون القضية في نهاية الأمر؛ إذ أن الدستور يحدّد غالبية الثلثين لتبنّي قرار لإقالة رئيس. ولتحقيق هذا، يفترض أن ينشقّ عشرون جمهورياً، الأمر الذي لا يبدو مرجّحاً على الإطلاق.