يصل إلى إسرائيل، اليوم، ممثلون عن أكثر من أربعين دولة حول العالم، بمستويات مختلفة، للمشاركة في الذكرى الـ 75 لقتل النازي الألماني يهوداً أوروبيين في الحرب العالمية الثانية. المشاركة، التي تُعدّ من ناحية تل أبيب تاريخية، وهي كذلك فعلاً، تُعدّ أيضاً فرصة للدفع بالمصالح الإسرائيلية قُدُماً، عبر استغلال زخم الذكرى والحضور الدولي فيها، علماً بأن التظاهرة نفسها تأتي نتيجة تشابك جملة من عوامل، ليست «المحرقة النازية» إلا مركّباً واحداً من مركّباتها الفعلية. خلافاً للمعتاد، قرّرت تل أبيب نقل إحياء ذكرى «المحرقة» من بلدة أوشفيتز البولندية، التي كانت تشهد سنوياً فعاليات بالمناسبة، إلى القدس المحتلة، مع العمل على تحشيد حضور دولي كبير تأمل من خلاله إعادة إنتاج الذكرى في الوعي الدولي بما يعزّز حضورها عالمياً، والتركيز على ربطها بإسرائيل الدولة بوصف الأخيرة نتاج «المحرقة» الذي يجب على العالم حفظه ومساندته، وتخليد مكتسباته، بل وتعزيزها في غير اتجاه.

في دلالات الحلّة والمكان الجديدين للذكرى، يشار إلى الآتي:
ــــ التظاهرة، كما هي، دليل إضافي على نجاح المشروع الصهيوني، إلى الآن، في غرس كيانه في محيط رافض له، بل وتطويع معظم هذا المحيط، ودفعه إلى الاصطفاف خلفه، ليس فقط بقبول وجوده، إنما أيضاً بالمشاركة في التصدّي لقوس أعداء إسرائيل، أي إيران وحلفاؤها. وفي هذا الإطار، تُعدّ الذكرى، بحلّتها الجديدة، تظاهرة تأييد لإسرائيل، وإقراراً دولياً من أكثر من 40 دولة بنجاح مشروعها. وهو تأييدٌ تدرك هذه الدول أن لا أثمان له، وأنه لن تعقبه ردود سلبية من الجانب العربي الذي بات تابعاً وشريكاً للاحتلال. في الوقت نفسه، التظاهرة دليل غير مباشر، بإمضاء أممي، على حجم التحدّي الفعلي الماثل أمام الجهة التي تقاوم إسرائيل ومشروعها في المنطقة، بكلّ مركّباتها، من طهران إلى غزة، وما بينهما.
ــــ واحدة من وظائف الذكرى هي العمل على تعزيز مصالح إسرائيل في أكثر من اتجاه، سياسي وأمني واقتصادي، عبر استغلال تظاهرة «المحرقة» والحضور الدولي اللافت فيها، وإن كان التركيز على العدد «40» يستلزم توضيحاً لجهة المبالغة فيه. لم تخفِ تل أبيب إرادة الاستغلال هذه في اتجاهين رئيسيين يرتبطان بأمنها وسياستها الخارجية: تعزيز قدرتها في مواجهة إيران وحلفائها والاصطفاف خلفها في هذه المعركة، وأيضاً الدفع إلى إنهاء التهديدات المبنيّة على ملفات تَجاوُز تل أبيب للقانون الدولي وحقوق الإنسان على خلفية احتلالها للأرض الفلسطينية والتنكيل بالفلسطينيين. في ذلك، يعمل نتنياهو، وهو ما سيؤكده اليوم، على تقديم أيّ تنامٍ في قدرة إيران وحلفائها، سواء في المجال الأمني أو السياسي أو غيرهما، على أنه تهديد من شأنه إعادة إنتاج «محرقة» جديدة ضدّ مَن تبقّى من «المحرقة النازية» الماضية. وهذه «الفذلكة»، وإن كانت لعباً على العبارات وتبديلاً فظّاً للتموضعات بين الضحية والجلاد، إلا أنها وسيلة ثَبتت جدواها حتى الآن، أقلّه على صعيد العلاقات العامة، وتأمل إسرائيل منها الكثير. وكثيراً ما يستخدم نتنياهو ذكرى «المحرقة» للتشبيه بين ألمانيا النازية وإيران، ومنه ما صدر عنه في اليومين الماضيين، حيث قال: «الآن، لدينا القدرة على الدفاع عن أنفسنا. أعتقد أن العبرة التي استخلصناها من أوشفيتز هي: أولاً، صدّ الأشياء السيئة وهي لا تزال صغيرة الحجم. إيران سيئة للغاية، ليست صغيرة الحجم، ولكن لو كانت تمتلك الأسلحة النووية لكانت أسوأ بكثير؛ وثانياً، يجب عليهم أن يدركوا أن اليهود لن يكونوا عزّلاً أبداً في وجه أولئك الذين يبتغون قتلهم».

الضيوف الوازنون محدودو العدد، ومن بينهم الرئيسان الروسي والفرنسي


ــــ في اتجاه آخر، ينوي نتنياهو استغلال وجود عدد كبير من ممثلي الدول، ومن بينها دول وازنة، من أجل استصدار مواقف تندّد بأيّ إجراء قانوني دولي، أو مقاطعة دولية، ضدّ إسرائيل. ومن ذلك، العمل على صدّ الإجراءات المنوي اتخاذها في «المحكمة الجنائية الدولية» على خلفية جرائم حرب ارتكبها مسؤولون إسرائيليون بحق الفلسطينيين، وأيضاً العمل على محاصرة حركة مقاطعة إسرائيل دولياً... وغيرهما. ولكن، هل ينجح هذا؟ المشكوك فيه أن تكون المناسبة كافية في ذاتها لتغيير المواقف، على رغم أن إسرائيل لا تعاني، فعلياً، من تهديدات في هذا المنحى، باستثناء كونه إزعاجاً لها وإخفاقاً في مجال العلاقات العامة. إلا أن استغلال المناسبة لازمة يتعذّر على إسرائيل الامتناع عنها، سواء أتت بنتيجة أو لم تأتِ.
ــــ على رغم الحديث عن حضور 40 رئيس دولة، أو 50 بحسب تقارير عبرية أخرى، إلا أن الضيوف الوازنين محدودو العدد، ومن بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وإلى حدّ ما نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، في حين أن معظم ممثلي الدول الآخرين هم من الصف الثاني أو الثالث، ويحملون صفات تشريفية، مثل الرئيس الألماني فرانك - فالتر شتاينماير، وولي العهد البريطاني الأمير تشارلز، والرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا. وعليه، فإن أبرز المشاركين الذين يعطون الذكرى بعدها الدولي هما الرئيسان الروسي والفرنسي، ولكلّ منهما اعتباراته الخاصة. من ناحية بوتين، الواضح أن سحب الذكرى من بولندا إلى إسرائيل فرصة لا يمكن تعويضها من أجل الدفع في اتجاه تثبيت الفعالية بشكل دائم، بعيداً عن بولندا، وذلك نتيجة الخصومة المزمنة بين موسكو ووارسو على الذكرى نفسها وغيرها من الملفات؛ إذ إن بولندا دائماً ما عملت على إبعاد روسيا عن الذكرى وتقليص أيّ حضور لها في فعالياتها الماضية، على رغم أن موسكو تقدّم نفسها على أنها الجهة التي أنهت «المحرقة» ومنعت استمرارها في الحرب العالمية الثانية عبر تحرير المعتقلين في المعتقلات النازية. أما الرئيس الفرنسي، فمعنيّ أكثر بالخريطة الداخلية الفرنسية، إرضاءً للجالية اليهودية التي تُعدّ الثالثة من حيث الحجم بعد نظيرتَيها في الولايات المتحدة وإسرائيل.
ــــ كان واضحاً حجم الاستياء البولندي من سحب فعاليات «المحرقة» إلى إسرائيل، والذي يُعدّ من ناحية وارسو تسييساً وتهديداً، وخاصة أنه يمكّن «المنافس» الروسي من الترويج لروايته حول دور بولندا في مساعدة النازيين على قتل اليهود. وهو ما لن تكون لدى بولندا القدرة على الدفاع عن نفسها بوجهه، بعدما رفضت تل أبيب إعطاء الرئيس البولندي أندريه دودا حق إلقاء كلمة للردّ على بوتين، إذا استغلّ الأخير الحدث لإطلاق الاتهامات ضدّ البولنديين بمعاداة السامية ومساعدة النازيين في قتل اليهود. على هذه الخلفية، تُعدّ ذكرى «المحرقة» الـ 75 نجاحاً شخصياً لبوتين مقابل بولندا في المعركة القائمة على السردية التاريخية بينهما، الأمر الذي يفسّر مشاركته اللافتة في فعاليات الذكرى اليوم، وامتناعه عن إرسال ممثلين ينوبون عنه، كما فعل معظم زعماء الدول الوازنة المشاركة.
«المحرقة النازية» ليهود أوروبا كانت ويراد لها أن تبقى وسيلة قتالية لدى الكيان الإسرائيلي، وذلك عبر استغلال أفعال ظالمة يتحمّل مسؤوليتها التطرف الأوروبي السابق ضدّ اليهود، لتبرير ظلم إسرائيل واحتلالها للأرض الفلسطينية وقتل وطرد سكانها. وسيلةٌ قتالية تُشهَر في وجه كلّ من يناوئ الاحتلال، وتلك هي أهمّ سمة وظيفية للذكرى هذا العام.