أثارت عملية الردّ الإيراني الأول على الاغتيال الأميركي للواء قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس ورفاقهما، بإطلاق ثلاثة عشر صاروخاً باليستياً على قاعدتين أميركيتين في العراق، مجموعة من التعليقات المتباينة، ركّزت جميعها على قراءة الردّ بالذات، سواءً كان من الجانب الإيراني أم من الجانب الأميركي. فالبعض اعتبر أن العملية تمّت بتفاهم بين الطرفين عن طريق طرف ثالث، ثم ذهب إلى اعتبار ما حدث مؤشراً إلى الانتقال بالصراع إلى أولى خطوات التفاوض بين إيران وأميركا، في ما سمّاه «مرحلة ما بعد سليماني». والبعض الآخر اعتبر الردّ مخرجاً للطرفين من دون أن يكون بينهما تفاهم مباشر أو غير مباشر؛ فإيران تعمدت ألّا تسفك دماً، فيما أرادت مخاطبة الداخل الإيراني بأنها نفذت وعيدها. أما أميركا فقد قبلت أيضاً بالردّ ما دام لم يسفك دماً، لأنها لا تريد أن تصعّد، بل أن تهيّئ أجواء لرضوخ إيران لمطالب أميركا التي كانت وراء الحصار، ثم وراء الأزمة المحتدمة، وأخيراً وليس آخراً وراء الاغتيال. وهنالك بعضٌ ثالث اعتبر الردّ بداية ستتبعها ردود أخرى، وأن الوضع سائر إلى مزيد من التوتير والانتصارات على أميركا، بل إن دم الشهداء سيكون مجلبة لمزيد من المواجهة من أجل إخراج أميركا من المنطقة كلّها، وليس من العراق فقط.

ما حدث في هذه العملية أغرى البعض باعتباره مرحلة جديدة متجهة نحو الجلوس على مائدة التفاوض. وفي هذا الإطار، راجت بدعة تقول إن كلّ صراع نهايته طاولة المفاوضات، علماً أن ما شاهده عصرنا يعاكس هذه النظرية التي استندت إلى حالة أو حالتين أو أكثر، إلا أنها تجاهلت حالات استمرّ الصراع فيها لسنوات وسنوات ولم يُحسم، وبعضها حُسم بالحرب والغلبة وفرض وجهة نظر واحدة ورأي طرف واحد. فالصراع بين كوريا الشمالية وأميركا مثلاً دام بعد حرب ضروس (1950 - 1951) إلى يومنا هذا، وقد حاول دونالد ترامب أن ينهيه من خلال التفاوض، وتمّ التفاوض فعلاً، ولكنه بقي على حاله وإن نُزع فتيل الانفجار فقط، وربما لفترة قصيرة. المهمّ أن منهج القياس في الحالة الإيرانية - الأميركية أو الحالة الإيرانية - الصهيونية (الإسرائيلية) غير صالح للاستخدام في حالات الصراع المختلفة؛ فهذه الحالة لها خصوصيتها وفرادتها، وتواجه ميزاناً للقوى جديداً لم يتضح كيف سيعمل وإلى أين. ومن هنا، فإن تقدير الموقف في قراءة الردّ الإيراني المذكور وردّة الفعل الأميركية عليه يجب أن يبدأ انطلاقاً من تجربة العلاقة، عبر عقود، بين إيران وأميركا، كما بين إيران والكيان الصهيوني.
على الذين يسارعون إلى تأكيد توقّع الجلوس إلى مائدة المفاوضات أن يتذكّروا أن العلاقات الدبلوماسية بين إيران وأميركا مقطوعة منذ عام 1979 مع قيام الجمهورية الإسلامية إلى اليوم، أي أكثر من أربعين عاماً، وعندما اخترقتها مفاوضات «خمسة + واحد»، والتي أدت إلى توقيع الاتفاق النووي، لم تكن مفاوضات ثنائية بين أميركا وإيران. أما العلاقات الإيرانية مع الكيان الصهيوني فاتسمت بشبه حرب منذ عام 1979، مع قطيعة وعداء مستمرين، وقد أثر هذا، بدوره، في تفاقم القطيعة مع أميركا بسبب علاقة الأخيرة بالكيان الصهيوني. ولذا، فإن آخر ما تسمح هذه الوقائع بتوقّعه هو أن يُستنتج مما حدث أنه تمهيد أو فتح باب، ولو مواربةً، لمفاوضات قادمة، بل على العكس، جاء الردّ الإيراني حاملاً تحدّياً لأميركا ما كان لها أن تقبل به سواء صَحِبه سفك دماء أم لا، لأن مجرد قصف قاعدتين عسكريتين أميركيتين من دولة إيران يُعتبر خرقاً هائلاً لهيبة الولايات المتحدة ومكانتها العالمية، لم يسبق أن حدث في تاريخها، بل كان أقلّ منه بكثير يعني الحرب من جانب أميركا.

ابتلاع أميركا للردّ الإيراني يدلّ على حالة ضعف، بل يجب اعتباره تجرّؤاً من إيران يحمل إهانة لدولة كبرى


إن ابتلاع أميركا للردّ الإيراني، ولو بلا ضحايا، يدلّ على حالة ضعف، بل يجب اعتباره تجرّؤاً من إيران يحمل إهانة لدولة كبرى. وقد قبلت به الأخيرة لسبب واحد: تجنباً للتصعيد؛ لأن إيران كانت ستردّ إذا لم تبتلع أميركا هذا الردّ المهين لها. صحيح أن سقوط الضحايا كان سيكون أشدّ إحراجاً لأميركا في احتمال الضربة، وعدم الردّ عليها، ولكن مع ذلك اسألوا أيّ دولة تحترم نفسها، بريطانيا مثلاً أو فرنسا أو روسيا أو الصين، إن كانت تقبل بقصف قاعدتين عسكريتين لها، جهاراً نهاراً، وبقرار من دولة أخرى سواء سقط ضحايا أم لا؟ ولنفترض الآن بأن هنالك من أوصل إلى إيران بأن بإمكانها الردّ من خلال قصف قاعدتين أميركيتين شريطة تجنب سقوط قتلى، وذلك حتى يمكن أميركا تمريره والانتهاء من موضوع الردّ الإيراني، وقد قبلت إيران، فمن يكون الرابح ومن يكون المتراجع هنا؟ لذا، يخطئ من يقرأ هذا الحدث ولا يرى فيه حالة تراجع أميركي غير مسبوقة، ويخطئ من يرى أن مرحلة المواجهة التي كان في مقدّمها اللواء قاسم سليماني قد انتهت مع هذه العملية، لتبدأ مرحلة التهدئة والتمهيد لتفاهمات جديدة لا مفرّ منها لإنهاء الصراع أو المواجهة بين أميركا وإيران.
فأميركا، بعد عدم ردّها على القصف الذي ضرب قاعدتين عسكريتين أميركيتين في العراق، انتقلت فوراً إلى تشديد العقوبات، بفرض عقوبات جديدة إضافية، الأمر الذي يدلّ على أن ما حدث من عملية اغتيال وردّ عليها، وعدم ردّ على الرد، هو مجرد جولة من جولات المواجهة بين أميركا وإيران، كما بين الكيان الصهيوني وإيران، وذلك دون أن يطرأ متغيّر واحد، ولو بتصريح، على أسباب المواجهة، ولا على إصرار كلّ طرف على موقفه واستمراره في استخدام أساليب المواجهة التي اتُّبعت حتى الآن. فالتغيّر حادث في درجة حدّة المواجهة، ولكن المتغيّر كانت سمته، منذ أول يوم انسحبت فيه أميركا من الاتفاق النووي وراحت تطبّق ما سمّته «الحصار الأقصى» على إيران، هو التعرّج في الحدّة شدة وتخفيفاً ثم شدة وهكذا.
أسباب هذا الصراع الراهن تتمثل في قرار أميركي - صهيوني يستهدف فرض التخلّي عن البرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني، ووقف التطوير التكنولوجي العسكري الإيراني، ومنع إيران من دعم محور المقاومة والممانعة ضدّ الكيان الصهيوني، بل حتى الاتفاق النووي نفسه ليس أساس الصراع، وإن كان في الواجهة أحياناً. وهذا الاستهداف، في المقابل، لا يمكن أن يُلبَّى من جانب إيران، لأنه يمسّ أمنها القومي واستراتيجيتها. ومن هنا، لا يُحلّ الصراع إلّا بالحرب من جانب أميركا والكيان الصهيوني، كما كان الحلّ بالنسبة إلى قضايا مشابهة في الماضي: مصر، سوريا، المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراق. أما إذا أصبح الحلّ متعذّراً عليهما ضمن موازين القوى الراهنة، فما على الصراع إلّا أن يستمرّ كما حدث خلال السنوات الثلاث الماضية، أو يقع التراجع من قِبَل أميركا، والتسليم ولو مؤقتاً أو جزئياً بمواصلة إيران لبرنامجها الصاروخي الباليستي واستراتيجيتها، ويكون ذلك تحت سقف في الصراع أدنى من السقف الحالي. ولكن لن يكون من خلال اتفاقية تسمح لإيران بالاستمرار في برنامجها الصاروخي الباليستي وتطورها التقني واستراتيجيتها. فالذين يتوقعون إمكان التوصل إلى توافق، فظنهم أن إيران هي التي ستتراجع أو التراجع متبادل، وكلا الأمرين لا مؤشر إليهما من جانب إيران ولو تلميحاً من بعيد. فأمامنا تصاعد الصراع أو استمراره كما حدث حتى الآن، فيما الحرب باقية على الأجندة.