جريمة اغتيال الفريق الشهيد قاسم سليماني حدث دولي من الدرجة الأولى، ليس لأن القوة الامبريالية الأولى (إلى الآن) اقترفتها فقط، بل لِما أثارته من مواقف وردود أفعال تكشف حقيقة سياسات الأطراف الدولية والإقليمية الأخرى الوازنة، وطبيعة الاستقطاب المتزايد على الصعيد العالمي. وضْع الجريمة في سياقها الدولي يُظهر تعاظم شراسة التحالف الغربي الذي يضمّ الولايات المتحدة وأذنابها الأوروبيين وإسرائيل دفاعاً عن موقعه المهيمن، ولكن المتراجع، في مقابل القوى غير الغربية الصاعدة من روسيا والصين، مروراً بإيران وحتى تركيا، وصولاً إلى البرازيل. سياق واحد يربط بين الاستراتيجية الهجومية المعتمدة من قِبَل الإدارة الأميركية ضدّ الصين وروسيا، وسياسة حافة الحرب المتّبعة ضد إيران، والضغوط المستمرة على تركيا، والعودة إلى تنظيم الانقلابات في أميركا اللاتينية كما حصل في البرازيل والاكوادور وبوليفيا ومثلما جرت المحاولة في فنزويلا، سِمَته الرئيسة تحكّم القوى الفاشية وشبه الفاشية بقيادة التحالف الغربي. إذا كان وصول هذه القوى إلى السلطة في بعض الديمقراطيات العريقة قد عَبّر عن ذعر الرجل الأبيض أمام الفقدان المتسارع لسيطرته التي امتدّت 5 قرون على العالم، فإن السياسات الخارجية التي شرعت بها تشي بأن هذا الذعر قد بلغ درجة الجنون. دونالد ترامب هو رمز هذه المرحلة من تاريخ «الحضارة الغربية»، وأصدق ناطق باسمها.


جريمة إسرائيلية - أميركية
أسباب كثيرة كان من الممكن أن تدفع الامبريالية الأميركية إلى اغتيال القائد العسكري لمحور المقاومة، لكن السبب الأول والرئيس، وهو أيضاً سبب التصعيد الأميركي الحالي ضدّ إيران واستراتيجية «الضغوط القصوى»، هو دوره في تطوير القدرات العسكرية والصاروخية لأطراف المحور في مواجهة إسرائيل. وكما أن فكرة «الضغوط القصوى» هي فكرة إسرائيلية تبنّتها الأطراف المؤيّدة لإسرائيل عقائدياً كوزير الخارجية مايك بومبيو ونائب الرئيس مايك بنس، أو أيديولوجياً كمستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، وتولّت إقناع الرئيس الأخرق بها، فإن «اقتراح» اغتيال الفريق سليماني قُدِّم من قِبَل الفريق نفسه وللأسباب عينها. لم تكن هذه الجريمة هي الأولى التي ترتكبها الولايات المتحدة دفاعاً عن إسرائيل، ورغبة في تأبيد تفوّقها العسكري على الإقليم. لقد غزت العراق عام 2003 ودمّرته وقامت بتفكيك الدولة ومؤسساتها وبتسعير الانقسامات الطائفية والإثنية في المجتمع بإشراف المحافظين الجدد، وهم مجموعة من الصهاينة المعتوهين، للغاية ذاتها، أي تأبيد التفوّق الإسرائيلي على العرب والمسلمين. سياسة الولايات المتحدة في منطقتنا حتى اليوم، وهذا ما تؤكده جريمة الاغتيال، هي أولاً سياسة إسرائيلية، والقوى السياسية العربية والمثقفون الذين «نأوا» بأنفسهم عن إدانتها بحجة خلافات أيديولوجية مع إيران ومحور المقاومة أو سياسية تتعلّق بدورهما في الصراع الدائر في هذا البلد العربي أو ذاك، يتعامون عن هذه الحقيقة. اغتيل الفريق سليماني نتيجة دوره المركزي في المواجهة مع إسرائيل قبل أيّ اعتبار آخر، وأضعف الإيمان بالنسبة إلى أيّ معنيٍّ بالقضية الفلسطينية هو إدانة هذه الجريمة على الأقلّ.

من يراهن على سياسة أوروبية مستقلّة كَمَن ينتظر غودو



الأوروبيون أذناب للولايات المتحدة
منذ وصول دونالد ترامب إلى السلطة، راهن الكثيرون على أن سياساته الاستفزازية حيال حلفائه الأوروبيين ستشجّعهم على إحياء مشروع بناء سياسة خارجية ودفاعية مشتركة ملائمة لمصالحهم، وعلى مواجهة الصَّلَف الأميركي دفاعاََ عنها. صدرت بعض المواقف التي عزّزت مثل هذه الرهانات عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خاصة عندما تحدث أخيراً عن «الموت الدماغي» لحلف «الناتو»، وأكثر من تصريح في الاتجاه نفسه للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ووزير خارجيتها هايكو ماس. لكن بمجرّد أن تُقدِم الولايات المتحدة على مغامرة عدوانية، كما فعلت عندما حاولت قلب النظام الوطني في فنزويلا أو عندما نجحت في ذلك في بوليفيا، وكذلك عند اغتيالها الفريق سليماني، نجد الدول الأوروبية تقف عملياً في صفها، وتقدّم لها الغطاء السياسي والأعذار. اغتيال سليماني، المسؤول العسكري الرسمي، خلال زيارته إلى العراق، يمثل انتهاكاً فاضحاً للقانون الدولي والمواثيق والأعراف الدولية التي لا تنفكّ الدول الأوروبية تُذكّر بها في بياناتها عندما يتعلّق الأمر بإدانة مواقف أو ممارسات معيّنة تقوم بها روسيا أو الصين أو إيران على سبيل المثال لا الحصر. فلْنتصوّر أن تُقدِم أيّ من هذه الدول الثلاث على اغتيال مسؤول أميركي خلال زيارة يقوم بها خارج بلاده، وردّ الفعل المهول الذي كان سيسبّبه مثل هذا العمل. بين الدول الأوروبية والإدارة الأميركية الحالية خلافات فعلية، لكنها تُفضّل حتى اليوم، وكما تُثبت مواقفها، الانقياد خلفها في حروبها وصراعاتها مع القوى غير الغربية، لأنها تأمل أن تحتفظ بموقع الشريك الثانوي معها. من يراهن على سياسة أوروبية مستقلة كَمَن ينتظر غودو.

سياسة الجنون ومعركة التحرّر
الجناح الأكثر فاشية في المؤسسة الحاكمة الأميركية يقود التحالف الغربي «الأبيض» في معركة الدفاع عن تأبيد سيطرته على بقية العالم ومقدّراته ومصائر شعوبه، وهو لا يتورّع عن العودة إلى أساليب كاغتيال القادة السياسيين والعسكريين، والانقلابات، التي ظنّ بعض الحالمين والمثاليين المغفّلين أن زمن «العولمة السعيدة» قد عفا عليها. وكلّما أدرك هذا الجناح، المؤلّف من عتاة العنصريين والمتطرفين الدينيين والصهاينة، أن موازين القوى تتحوّل إلى غير مصلحته، ازداد شراسة وعدوانية واستعداداً لخوض مغامرات مجنونة. من اللافت أيضاً أن ائتلاف الأوغاد المذكور يلجأ دائماً إلى اختيار رئيس أحمق لاستخدامه كواجهة لمخطّطاته ومشاريعه. صقور الحرب الباردة في بداية الثمانينيات اختاروا ممثلاً فاشلاً من الدرجة الثانية وشديد البلاهة، هو رونالد ريغان، ليكون مرشحهم، بينما لعب مسؤولون كألكسندر هيغ وجورج بوش الأب وجورج شولتس دوراً حاسماً في توجيه السياسة الأميركية آنذاك. الأمر نفسه ينطبق على إدارة بوش الابن، الأحمق بدوره، والذي كان يُدار من قِبَل الثنائي شيني - رامسفيلد، بالإضافة إلى عصابة المحافظين الجدد. ليس سراً أن لبومبيو وبنس تأثيراً مشابهاً على ترامب حالياً. هل تستطيع شعوب المنطقة وقواها الحيّة، مهما كانت خلفياتها الفكرية - السياسية، أن تقف على الحياد عندما يشرع هذا الفريق بهجوم مضادّ قد يُحوّل المنطقة بأسرها إلى كتلة من لهب، ويقضي على أبسط مقوّمات الاستقلال والنهضة فيها؟ يعتقد هذا الفريق وأنصاره أنه بعد تدمير العراق وسوريا خدمةً لإسرائيل، بات المطلوب راهناً ضرب إيران لتستطيع الولايات المتحدة من بعدها الالتفات إلى معركتها الرئيسة مع الصين. توحيد الصفوف في مواجهة هذا الهجوم المضادّ بين القوى الحيّة في الأمّة شرط لهزيمته وحماية شعوبها من المصير المظلم الذي يُرسم لها.