فجر الأربعاء، تحطّمت طائرة مدنية أوكرانية بعد دقائق مِن إقلاعها من مطار الإمام الخميني الدولي، وعلى متنها 176 شخصاً، قضوا جميعاً، في مأساة عُدَّت الأسوأ منذ العدوان الأميركي على طائرة «إيران إير» في الثالث من تموز/ يوليو 1988، وقَتْلِ 290 كانوا على متنها. كارثةٌ جديدة بدأ الغرب منذ ليل الخميس توظيفها سياسياً، بعد ورود إشارات لبعض دوله إلى احتمال سقوطها بصاروخ «أرض - جوّ» إيراني.

ضُبطَ جدول أعمال العالم بين عشيّة وضحاها. هكذا، ببساطة، تحوّل الاهتمام العالمي مِن الردّ الإيراني المفتوح على خلفية اغتيال قائد «قوة القدس» في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، واحتمالات التصعيد التي رافقت ردّ طهران، لينصبّ في اتّجاه اتّهام الجمهورية الإسلامية بالضلوع في إسقاط الطائرة الأوكرانية، وإنْ عن طريق «الخطأ». استنفار واشنطن وأتباعها في أوتاوا ولندن وكييف - التي بدت أكثر هدوءاً -، حوّل مأساة الطائرة المنكوبة إلى مادة استثمار سياسي في مواجهة إيران، لدرجةِ أنه بات لـ«حلف شمال الأطلسي» رأيٌ وتقييم في حوادث الطائرات المدنية. طهران، وإذ نفت بشكل قاطع فرضية تحطّم الطائرة نتيجة إصابتها بصاروخ «أرض-جوّ»، طلبت التريّث لتبيان نتائج التحقيق، واضعةً التقارير الاستباقية عن الحادثة في إطار «الحرب النفسية».
فجر الثامن مِن كانون الثاني/ يناير الجاري، كانت الجمهورية الإسلامية قد أنهت ضربتها الصاروخية ردّاً على اغتيال سليماني، باستهدافها قاعدتَي عين الأسد وأربيل الأميركيتَين في العراق. ما هي إلا ساعات قليلة، حتى أُعلن عن تحطّم طائرة مدنية أوكرانية فوق العاصمة طهران، قضى جميع ركّابها الـ176، معظمهم من الإيرانيين والكنديين. هُمِّشت الحادثة يومَها، واختفت في متاهات التصعيد الدولي، بينما كان العالم يترقّب خطاب ترامب، والوجهة التي ستسلكها الإدارة الأميركية لجهة الردّ على الردّ. انتهت واشنطن إلى استيعاب ردّ طهران، والدعوة إلى مفاوضات شاملة، بدا مصيرها جليّاً قبل إعلان الجانب الإيراني رفضها. بحلول مساء الخميس، تبدّل المشهد الدولي، ليبدأ توظيف حادثة الطائرة المنكوبة سياسياً، عبر ظهور رواية أميركية تفيد بإسقاطها، و«شكوك» عبّر عنها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إزاء فرضية «الخلل الفني»، ليبلغ الحدث ذروته بتبنّي رئيس الوزراء الكندي، جاستِن ترودو، هذه الفرضية بشكل علني، بعدما اطّلع على معلومات استخباراتية من مصادر متعددة تُبيّن أن الطائرة «أُسقطت بصاروخ أرض - جوّ إيراني»، فيما بدت كييف أكثر هدوءاً كون رئيسها فولوديمير زيلنسكي لم يستبعد، لكنه رفض، تبنّي الرواية الآنفة. إزاء التأزّم المستجد، وضعت أوكرانيا سبع فرضيات للحادثة، ذكرت منها احتمالات: إصابة الطائرة بصاروخ «أرض - جوّ» روسي الصنع من طراز «تور»؛ اصطدامها بطائرة مسيّرة أو جسم طائر؛ تعرّضها لحادث نتيجة خلل تقني، أو تعرّضها لتفجير «إرهابي» نتيجة قنبلة وضعت على متنها.

كييف: لم تسفر تحليلات فريقنا لمسار الطائرة عمّا يشير إلى أنها كانت معرّضة للخطر


تفيد العناصر الأولية من التحقيق الإيراني بأن الطائرة «Boeing 737-8KV» ذات المحرّك «CFM56-7B24E» فرنسيّ الصنع، التابعة للخطوط الأوكرانية، استدارات بعد بضع دقائق من إقلاعها نحو الساعة السادسة صباحاً، جرّاء مواجهتها «مشكلة» وحريقاً على متنها. في تمام الساعة 05:44، اختفت الرحلة «بي إس 752» عن شاشات الرادار، وذلك بعد دقيقتين من تحليقها عندما بلغت ارتفاع ثمانية آلاف قدم (نحو 2400 متر)، وفق «منظمة الطيران المدني الإيرانية»، قبل أن ترتطم بالأرض بحلول الساعة 05:49 على بعد نحو 16 كيلومتراً من مطار الإمام الخميني. تساؤلات عدّة أثيرت في شأن كيفية تحطّم الطائرة، لعلّ أبرزها سبب اختفائها عن شاشات الرادار، وعدم إرسال كابتن الطائرة نداء استغاثة أو التواصل مع برج المراقبة قبل محاولته الاستدارة نحو المطار. تشير إحدى الروايات إلى سقوط الطائرة نتيجةَ إصابتها بصاروخين أُطلقا مِن قاعدة «الشهيد حسن طهراني مقدم» شمال غرب طهران، على بعد نحو خمسة كيلومترات مِن موقع فقدان الاتصال بها. روايةٌ دُعّمت بوجود بقايا من حطام الصاروخين في مكان تحطّمها. «أفضلُ» من عبّر عن هذه الفرضية بدايةً، كان مسؤولين في الاستخبارات الأميركية تحدّثوا إلى وسائل إعلام محلية، قالوا إن المنظومة الدفاعية الإيرانية المضادة للصواريخ «أسقطت الطائرة عن طريق الخطأ». في هذا الإطار، يقول خبير فرنسي إن «كلّ المنظومة الدفاعية الإيرانية المضادة للطائرات يُفترض أن تكون متأهبة» في انتظار ردّ أميركي محتمل، ومن المحتمل أيضاً حصول «سوء تقدير، في سياق متوتر إلى هذا الحدّ». استتباعاً للرواية الأميركية، أظهرت بيانات الأقمار الاصطناعية أن الطائرة حلّقت لمدة دقيقتين بعد إقلاعها من مطار طهران، عندما جرى رصد البصمتين الحراريتين لصاروخَي «أرض - جوّ»، فيما رصدت الأقمار الاصطناعية العسكرية التابعة للولايات المتحدة انبعاثات للأشعة تحت الحمراء من الحرارة، بحسب مسؤول أميركي. وفي موازاة مقاطع مصورة يشير أحدها بشكل واضح إلى المسار التنازلي للطائرة وليس السقوط العمودي - ما يستبعد فرضية إصابتها بصاروخ - تنتشر صور على مواقع التواصل الاجتماعي لأجزاء من صاروخ «أرض - جوّ» من طراز «تور-إم 1» (منظومة دفاعية متنقّلة مضادة للصواريخ روسية الصنع، مخصّصة للتصدي للطائرات على علو منخفض والمروحيات والطائرات المسيّرة). واشترت طهران من موسكو 29 منظومة «تور-إم 1» في العقد الأول من القرن الحالي. ولو أن الطائرة أصيبت فعلاً بصاروخ، لكان جزء من هيكلها قد تحوّل إلى شظايا فولاذ كما حصل في الطائرة التابعة للخطوط الماليزية التي أُسقطت بصاروخ عام 2014 فوق الشرق الانفصالي في أوكرانيا، وأدّى تحطمها إلى مقتل 298 شخصاً.
بالنسبة إلى إيران، «هناك أمر واحد مؤكّد، هو أن هذه الطائرة لم تُصب بصاروخ». وهي حذرت، على لسان رئيس «منظمة الطيران المدني» علي عابد زاده، من أيّ تكهّنات لا تأخذ في الاعتبار نتائج تحليل الصندوقين الأسودين للطائرة، اللذين تفضّل طهران تحميل بياناتهما بنفسها، على رغم سماحها لخبراء أوكرانيين بمعاينتهما، وفق ما أعلن وزير الخارجية الأوكراني فاديم بريستايكو، الذي أكّد أن فريقاً من 50 محققاً أوكرانياً يعملون على الأرض في إيران «لم تسفر تحليلاتهم لمسار الطائرة عمّا يشير إلى أنها كانت معرّضة للخطر».