نشرت وكالة «رويترز» تقريراً يكشف تورط مسؤولين أميركيين سابقين، بينهم مديرون تنفيذيون في «البيت الأبيض»، في العمل على إنشاء وتطوير وإدارة مشروع استخباراتي إماراتي باسم «DREAD»، أتاح للسلطات الإماراتية اختراق حسابات بريد الكتروني وحواسب لأشخاص وحكومات وهيئات، تعتبرهم الإمارات «خصوماً».

من بين الأهداف التي تعرّضت لهجمات المشروع الإماراتي الذي انطلق تحت إشراف خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، نجل ولي العهد الإماراتي، كل من «FIFA» والأمم المتحدة ودبلوماسيين وعاملين في منظمات حقوق إنسان، إلى جانب شخصيات مثل الاقتصادي أحمد غيث السويدي والناشطة السعودية لجين الهذلول.

فيما يلي، نذكر أبرز ما ورد في تقرير «رويترز»:

ولادة «DREAD»
في العام 2008، وصل المسؤول السابق في «البيت الأبيض» في ملف «مكافحة الإرهاب»، ريتشارد كلارك، إلى الإمارات العربية المتحدة، للعمل كمستشار لديها في مشروع لمراقبة الإنترنت، استخدمت فيه كبار مقاولي الاستخبارات الأميركية.
وُلد المشروع تحت اسم «وحدة تحليل واستثمار بحوث التنمية» وعُرف اختصاراً باسم «DREAD». وفي السنوات التي تلت التأسيس، وسّعت الإمارات عمل الوحدة ليشمل ناشطة سعودية في مجال حقوق المرأة، ودبلوماسيات في الأمم المتحدة وموظفين في «فيفا». في حلول عام 2012 سيعرف المشروع بين العاملين الأميركيين فيه باسم «Project Raven» (مشروع رافين).
درست «رويترز» أكثر من 10 آلاف وثيقة خاصة بعمل الوحدة، وأجرت مقابلات مع أكثر من عشرة متعاقدين وعملاء استخبارات ومسؤولين حكوميين سابقين كانوا على اتصال مباشر بعمل المشروع.
كان كلارك هو الأول في سلسلة من المديرين التنفيذيين السابقين في البيت الأبيض ووزارة الدفاع، الذين وصلوا إلى الإمارات بعد أحداث 11 أيلول، لبناء وحدة التجسس. واستغل كلارك علاقته الوثيقة مع حكّام الإمارات، وهي علاقة بنيت عبر عقود من الخبرة بصفته واحداً من صانعي القرار في الولايات المتحدة، للفوز بالعديد من عقود الاستشارات الأمنية في الإمارات.
وفي مقابلة أجريت معه في واشنطن، قال كلارك إنه بعد التوصية بأن تنشئ الإمارات وكالة مراقبة إلكترونية، تم تعيين شركته «Good Harbour Consulting» للمساعدة في إنشائها. وقال كلارك إن الفكرة كانت إنشاء وحدة قادرة على تعقب الإرهابيين، مضيفاً أن الخطة تمت الموافقة عليها من قبل وزارة الخارجية الأميركية ووكالة الأمن القومي، وأن الشركة تتبع القانون الأميركي.
ساعد الأميركيون الإمارات في توسيع المهمة من التركيز الضيق على التهديدات المتطرفة النشطة إلى عملية مراقبة واسعة النطاق تستهدف الآلاف من الناس في جميع أنحاء العالم، ممن تعتبرهم الحكومة الإماراتية خصوماً.

كلارك ــ بن زايد: «Good Harbour»
علاقة كلارك بمحمد بن زايد آل نهيان، بدأت منذ ما قبل الحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد العراق في عام 1991، إذ ساعد بن زايد كلارك في الحصول على تصريح من الحكومة الإماراتية لشنّ عمليات قصف من المجال الجوي الإماراتي، كما قام بتحويل 4 مليارات لمصلحة المجهود الحربي الأميركي، وفي المقابل شهد كلارك أمام الكونغرس لمصلحة بيع الإمارات مروحيات عسكرية هجومية.
بعد انضمام كلارك إلى شركة «Good Harbour» في عام 2003، منح بن زايد الشركة فرصة نادرة للمساعدة في بناء إستراتيجية الأمن الداخلي في الإمارات من الألف إلى الياء.... وسرعان ما فازت الشركة بسلسلة من العقود الأمنية لمساعدة الإمارات على تأمين بنيتها التحتية، بما في ذلك العمل على حماية الموانئ البحرية في دول الخليج، والمشاريع النووية، والمطارات، والسفارات والمنشآت البتروكيميائية، وفقاً لمصدرين كانا على اطلاع مباشر على العقود.
رأى كلارك أن الإمارات تحتاج إلى وكالة تشبه «وكالة الأمن القومي» لديها القدرة على التجسس على الإرهابيين... ولدى سؤاله عما إذا كان يشعر بالقلق من إمكانية استخدام الإمارات تلك القدرة لقمع النشطاء أو المنشقين، أكد كلارك أن «التركيز الرئيس كان على تنظيم القاعدة».
أحد شركاء كلارك في الشركة، كان بول كورتز، وهو شغل منصب المدير السابق للأمن القومي في البيت الأبيض؛ وقال الأخير في تعليقه على المشروع إن مشاركته الشخصية اقتصرت على الاستشارات العالية المستوى. واعتمدت شركة «Good Harbour» على المقاولين من شركة الدفاع الأميركية «SRA International»، التي يديرها كارل جومتو.

من مطار البطين
بالاستفادة من ثمانية مقاولين من «SRA» بدأت «Good Harbour» في بناء «DREAD» في عام 2008، داخل مبنى على أطراف مطار البطين في أبو ظبي. بدأ البرنامج كذراع لديوان ولي العهد محمد بن زايد، وتمت إدارته في البداية من قبل نجله خالد.
قام المقاولون ببناء المشروع من الصفر ودربوا الموظفين الإماراتيين المحتملين على تقنيات القرصنة وأنشأوا شبكات سرية وحسابات مجهولة يمكن أن تستخدمها الإمارات في عمليات المراقبة.
في عام 2009، شرعت المجموعة في إنشاء أداة تجسس يُطلق عليها اسم «The Thread»، وهي تمكن الإماراتيين من سرقة الملفات من أجهزة الكمبيوتر التي تعمل بنظام Windows ونقلها إلى الخوادم التي يسيطر عليها مشروع ولي العهد، وفق ما تظهر وثائق برنامج «DREAD».
كان الهدف من البرنامج هو ترك الإمارات مجهّزة بقدرات لمتابعة تهديدات الإرهاب من تلقاء نفسها. ولكن في غضون أشهر، رأى الأميركيون أن هناك حاجة إلى تولي زمام المبادرة... فقد بدا بعض المتدربين الإماراتيين غير مهتمين أو غير مؤهلين.
زادت طلبات القرصنة المقدمة من أجهزة الأمن الإماراتية إلى الوحدة الجديدة نهاية عام 2009. وفي حلول نهاية عام 2010، تراجع دور «Good Harbour» لصالح «SRA International» ومديرها جومتو.
في غضون عامين، قام جومتو بزيادة عدد الأميركيين في البرنامج من حوالى عشرة إلى ما يصل إلى 40. ووصلت ميزانية «DREAD» السنوية إلى نحو 34 مليون دولار، حسب وثائق المشروع. كان لدى بعض المجندين الأميركيين مخاوف بشأن العمل في وكالة تجسس أجنبية... ومع ذلك، سرعان ما شغل الفريق الأميركي تقريباً كل المناصب الرئيسية في البرنامج.
ساعد العملاء الأميركيون في تحديد موقع الحسابات المستهدفة واكتشاف نقاط ضعفها لتصميم هجمات الكترونية. وللبقاء ضمن حدود القانون، لم يضغط الأميركيون على زرّ الهجوم النهائي، لكنهم غالباً ما كانوا يقفون (حرفياً) على أكتاف الإماراتيين الذين فعلوا ذلك، على حد قول 10 من الناشطين السابقين.

ضحايا المشروع
بعدما هزّت تظاهرات الربيع العربي المنطقة في عام 2011، خشي خبراء الأمن الإماراتيون من أن تكون بلادهم التالية. بدأت أهداف «DREAD» في التحول من مكافحة الإرهاب إلى فئة منفصلة تسميها الإمارات «أهداف الأمن القومي»، وبدأت حملة واسعة ضد المعارضين وغيرهم ممن يُنظر إليهم على أنهم تهديد سياسي.
بين عامي 2012 و 2015، تم تكليف الفرق باختراق حكومات منافسة بأكملها، حيث تحول تركيز البرنامج من مكافحة الإرهاب إلى التجسس ضد الأعداء الجيوسياسيين، حسب الوثائق.
أحد الأهداف كان قطر، التي اكتسبت اهتماماً عالمياً في عام 2010 من خلال الفوز بتنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم في عام 2022. وفي عام 2014، استهدف نشطاء «DREAD» مدراء في «FIFA»، والمشاركين في تنظيم دورة كأس العالم في قطر.
تم التخطيط لعملية القرصنة لـ«FIFA»، والتي أُطلق عليها اسم «Brutal Challenge»، من قبل محلل سابق في وكالة الأمن القومي يدعى كريس سميث. وأرسل القراصنة رسائل على «فايسبوك» تحتوي روابط إلى موقع الكتروني يُسمى "Worldcupgirls". بالنقر على الرابط يدخل برنامج التجسس إلى جهاز الكمبيوتر الخاص بالهدف.
ليس من الواضح ما إذا كانت المهمة قد نجحت أم لا. لكن الأهداف شملت حسن الذوادي، أمين عام اللجنة العليا للمشاريع والإرث في قطر، وجاك وارنر، المدير التنفيذي السابق لـ«FIFA»، وهو الذي وجهت إليه الولايات المتحدة في ما بعد اتهامات بغسل الأموال.
في عام 2012، استهدف القراصنة حسابات بريد الكتروني لخمسة من موظفي مؤسسة «كونراد أديناور»، وهي مجموعة ألمانية مؤيدة للديمقراطية كانت في ذلك الوقت تضغط من أجل المزيد من حرية الصحافة في الإمارات.
خلف الكواليس، تم استدعاء السفير الألماني لدى الإمارات للقاء مسؤولين من وزارة الخارجية الإماراتية، قالوا إن على المنظمة الألمانية مغادرة البلاد، حسبما قال شخص على اطلاع مباشر. وفي آذار 2012، تم طرد المنظمة.
ساعد عملاء أميركيون أيضاً، في عام 2011، في استهداف حسابات بريد الكتروني لأحمد غيث السويدي، وهو اقتصادي إماراتي وعضو في جماعة «الإخوان المسلمين».
وفي كانون الثاني 2012، أفاد قراصنة «DREAD» بأن السويدي أرسل عبر البريد الإلكتروني وثائق موقّعة تضع زوجته المسؤولة عن أملاكه في حالة حدوث أي شيء له. وبعد شهرين، ألقي القبض على السويدي واحتُجز في سجن سري، حيث قال إنه تعرض للتعذيب وأجبر على التوقيع على اعتراف، على حد قول «منظمة العفو الدولية». وفي عام 2013، وضمن محاكمة 94 ناشطاً بتهمة محاولة الانقلاب، أُدين السويدي وحُكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات.
بمرور الوقت، نشأ نزاع بين الإماراتيين والأميركيين حول اختيار الأهداف، إذ رأى الأميركيون أنها تجاوزت الحدود في بعض الأحيان إلى اختراق كيانات مرتبطة بالولايات المتحدة. بدأ المسؤولون المحليون في تقييد وصول الأميركيين إلى قواعد بيانات المراقبة، وفي نهاية عام 2015، ألغت الإمارات عقد الشركة التي يديرها جومتو، وشغلت بدلاً عنها شركة «DarkMatter» الإماراتية. وتحت إشراف «DarkMatter»، استهدف «DREAD» مكاتب الأمم المتحدة في نيويورك.
في عام 2017، قام ناشطون باختراق رسائل البريد الإلكتروني للناشطة السعودية في مجال حقوق المرأة، لجين الهذلول، بعدما حاولت تحدي الحظر المفروض على قيادة المرأة للسيارات في السعودية، على حد قول ناشط سابق في «DREAD».
في عام 2018، وقبل أسابيع قليلة من صدور مرسوم ملكي سمح للنساء السعوديات بالقيادة بشكل قانوني للمرة الأولى، اعتقلت قوات الأمن الإماراتية الهذلول في أبو ظبي ووضعتها في طائرة خاصة ورحّلتها إلى بلدها الأم.