من المفترض أن تعلن الهيئة الانتخابية في الأوروغواي غداً أو بعد غد نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت الدورة الثانية منها يوم الأحد الماضي. كان يجب إعلان النتائج فور الانتهاء من فرز الأصوات، إلا أن تقارب النتائج بين المرشّحَين الرئيسيَّين، وهما مرشح «اليمين الوسطي» لويس لاكال بو، ومرشح الحزب الحاكم دانيال مارتينيز (يسار)، أدى إلى تأجيل إعلان النتيجة وإعادة فرز الأصوات. فبعد فرز 99.5% من الأصوات، كان الفارق بين المرشحَين حوالى 30 ألف صوت أقلّ من عدد بطاقات الاقتراع المتنازع عليها. لذلك رأت الهيئة الانتخابية أنها ستقوم بتعداد شامل للأصوات في الأيام المقبلة. حتّى الآن، النتيجة غير واضحة، لكن الائتلاف الجديد بين الحزب «الوطني» والأحزاب «اليمينية» المتطرفة يضع الحكم اليساري أمام منعطف جديد.


فمن هما المرشحان الرئيسيان؟
المرشح الأول هو دانييل مارتينيز، وهو مرشح الحزب الحاكم أو ما يُعرف بالجبهة «الموسعة» اليسارية، يخوض تحدياً لمواصلة إرث القادة اليساريين الذين حكموا الأوروغواي، مثل الرئيس السابق خوسيه موخيكا، والرئيس الحالي تاباريه باثكيث.
من المفترض أن يأتي مارتينيز في الطليعة، إذ إنه حلّ في المرتبة الأولى في الجولة الانتخابية الأولى التي جرت في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وحصل على 39.2% من الأصوات. مارتينيز هو مهندس، يحمل جنسيّتي الأوروغواي وفرنسا. «اشتراكيّ»، كان له تاريخ كنقابي، ورجل أعمال، ومدير لشركة النفط الحكومية «ANCAP». وكان عضو مجلس الشيوخ. شغل أيضاً منصب وزير الصناعة، ورئيس بلدية العاصمة، مونتيفيديو.
المرشح الثاني هو لويس لاكال بو، مرشح الحزب «الوطني» اليميني، الذي تميّز بصنع التحالفات، وهو الأمر الذي قد يطيح مارينيز. فلويس الذي حصل على المرتبة الثانية في الجولة الانتخابية الأولى، بنسبة وصلت إلى 28% من الأصوات، سعى إلى جذب «حلفاء» لم يتأهلوا إلى الجولة الأخيرة. ساعدت التحالفات التي عوّل عليها لاكال في الجولة الثانية، إلّا أنها لم تحسم النتيجة لمصلحته، إذ بدت النتائج متقاربة جداً. لويس هو سيناتور سابق في مجلس الشيوخ، وهو نجل الرئيس السابق لويس ألبرتو لاكال (1990 ـــ 1995)، وهو حفيد أحد أهم السياسيين في الأوروغواي، لويس ألبرتو دي هيريرا (1873 ـــ 1959)، الزعيم التاريخي للحزب «الوطني». دخل كنائب في البرلمان لمدة 20 عاماً. يصف نفسه بأنه «ليبرالي».
وهي ليس تجربته الأولى للانتخابات الرئاسية، إذ خاض السباق الرئاسي عام 2014 في وجه الرئيس اليساري الحالي تاباريه باثكيث، لكنه خسر بفارق كبير، حيث حصل على 44.5% من الأصوات مقابل حصول باثكيث على 55.5%. اليوم، يحاول المرشح اليميني انتزاع السلطة للمرة الثانية، من اليسار الذي حكم البلاد منذ عام 2005، بعد أن قاد اليمين البلاد منذ سقوط الديكتاتورية التي دامت بين عامي 1973 و1985.

انخفضت حصة الحزب الحاكم في التصويت بنحو 9% مقارنة بنتائج العام 2014 (أ ف ب)

صراع «يميني ـــ يساري»؟
الأوروغواي، الواقعة في أميركا اللاتينية، تعيش اليوم صراعاً بين اليمين واليسار مثل عدة دول مجاورة لها. منذ قرابة سنة، تعيش دول اللاتين الأميركي على خط ساخن. ولا يقتصر الوصف هنا على الدول التي شهدت موجات انقلاب وصراعات سياسية واقتصادية مثل فنزويلا وبوليفيا والإكوادور، بل تجاوز ذلك إلى الدول التي تعتبر كبيرة ومستقرة مثل تشيلي التي تشهد اليوم تظاهرات ضد حكومة الرئيس اليميني سبستيان بينيرا، وكولومبيا أيضاً.
في الأوروغواي تحديداً تحكم الجبهة «الموسعة» اليسارية منذ عام 2005. وهي حزب ائتلافي تقدمي، لثلاث ولايات، وتتمتع بالسيطرة على الأغلبية في الهيئة التشريعية. ومع ذلك، في أحدث انتخابات من الجولة الأولى، انخفضت حصتها في التصويت بنحو 9% مقارنة بأدائها في العام 2014. كذلك شهدت الجبهة «الموسعة» خسائر كبيرة في المناطق النائية من البلاد، حيث حققت انتصاراً مدوياً عام 2014.
يعود هذا الركود إلى عدة أسباب منها:
حملة رئاسية ركزت بشدة على مونتيفيديو ، عاصمة البلاد، فقط.
الفشل في التعامل بشكل كاف مع الركود الاقتصادي الذي ظهرت معالمه بوضوح عام 2017.
القضية الأمنية، لعبت دوراً مهماً، إذ رفض الناخبون الزيادة الهائلة في العنف. فالعام الماضي سجلت الأوروغواي 382 جريمة قتل، أي ما يعادل جريمة في اليوم أو أكثر، وهو رقم قياسي يمثل زيادة بنسبة 35% مقارنة بعام 2017.
هذا الأمر أدى إلى أن يطرح سيناتور من الحزب «الوطني»، مشروع قانون «Vivir Sin Miedo» أو «العيش بلا خوف» الذي يوسّع صلاحيات الأجهزة الأمنية، أي السماح بالمداهمات الليلية للشرطة، وإنشاء قوة تسمى الحرس الوطني تختص بمكافحة الجريمة، إضافة إلى عقوبات بالسجن المؤبد من دون الإفراج المشروط لمرتكبي الجرائم وزيادة الشروط بالكفالة.
عند طرح القانون للاستفتاء حصل على دعم 1.1 مليون صوت أي ما يعادل 46% من مجمل أصوات الناخبين، لكنّه لم يمر، لكونه لم يتخطَّ نصف النسبة المئوية. لم يلقَ مشروع القانون أيّ دعم من المرشحّين الرئاسيين ليصبح رسمياً، رغم أنه حمل دعماً رئيسياً من الأحزاب اليمينية الثلاثة في البلاد، لكن لاكال تبنّى في حملته بندين من مشروع القانون، وهما توسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية (المداهمات الليلية) وإنشاء قوة تسمى الحرس الوطني، الأمر الذي لعب لمصلحته حيث نقل حوالى ثلاثة عشر ألف صوت من الجبهة «الموسعة» إليه.
العامل الثاني الذي لعب عليه لاكال هو استراتيجية تشكيل ائتلاف يميني للجولة الثانية من الانتخابات، حيث دمج حزب«كولورادو» الليبرالي (13% من الأصوات)، و«المجلس المفتوح» (كابيلدو أبييرتو) اليميني المتطرف (11%)، والحزب «المستقل»، وشكّل معهم تحالفات. هذه الاستراتيجية أثبتت نجاحها حتى الآن من الناحية الانتخابية.

مستقبل «الحشيش» مرهون بالحكومة الجديدة، لماذا؟
الأوروغواي، البلد الذي يضم 3.4 ملايين نسمة، يعدّ أول بلد في العالم شرّع «الماريجوانا» لأهداف «ترفيهية»، شرط أن يتم استهلاكها تحت إشراف الدولة، وتباع في عدد محدّد من الصيدليات المرخصة. المصادقة على القرار كانت قد تمت في العام 2013 في عهد الرئيس اليساري خوسيه موخيكا، وذلك بهدف انتزاع تجارة الماريجوانا من أيدي المهرّبين لتصبح تحت إشراف الحكومة مباشرة. وأعطت الحكومة الحق في الزراعة والإنتاج والتعليب لشركتين، وأخضعتهما للرقابة، وفرضت عليهما دفع الضرائب.
وأجاز القانون استهلاك الماريجوانا بثلاث طرق، إما زراعته في المنازل للاستهلاك الشخصي، أو الانضمام إلى نادي المستهلكين لزراعته، أو شرائه من الصيدليات. اليوم، عندما تُعلن نتائج انتخابات الدورة الثانية، فإن مستقبل الماريجوانا القانوني أيضاً يُعرف مع اسم الرئيس الجديد، إذ إن لاكال تعهّد بإلغاء تشريع الماريجوانا، قائلاً: «لا تزرع شيئاً!»، وسابقاً لمّح إلى ضرورة إضافة إصلاحات، كسحب الماريجوانا من الصيدليات والإنتاج والتعليب، مع الإبقاء فقط على زراعته.