ما فشلت واشنطن في تحقيقه في فنزويلا، استطاعت بلوغه في بوليفيا. الأسباب نفسها التي دفعتها إلى تنظيم الانقلابات ضد الحكومات الوطنية في أميركا الوسطى واللاتينية، منذ أواسط القرن الماضي، تُفسّر ما فعلته بالتعاون مع حلفائها المحليين بحق الرئيس البوليفي، إيفو موراليس. لم يسامَح موراليس، كما مَن سبقه من قادة وطنيين، لسعيه في استعادة سيادة بلاده على مواردها وثرواتها واستخدامها لمصلحة شعوبها. ولا شك في أن انحداره من السكّان الأصليين، الذين تعرّضوا لعمليات إبادة واسعة النطاق، ومن ثم لتهميش سياسي واجتماعي داما قروناً، قد زاد من حقد أقطاب «العصبية البيضاء» عليه في المراكز الغربية، وامتداداتها في بعض بلدان أميركا اللاتينية. وصل إيفو موراليس إلى السلطة عن طريق الانتخابات عام 2005، في سياق ما اعتبره البعض في تلك الفترة انعطافاً لجنوب القارة نحو اليسار. ففي مرحلة بدأت مع نهاية التسعينيات، فاز مرشحو القوى اليسارية الوطنية في الانتخابات الرئاسية في فنزويلا والبرازيل والأرجنتين والأورغواي والتشيلي والإكوادور. وقد بادر بعض هؤلاء إلى الشروع في إصلاحات سياسية واقتصادية - اجتماعية فعلية في بلدانهم، أدخلت تغييرات فعلية على ظروف حياة الطبقات الشعبية، واعتمدوا سياسات خارجية استقلالية تعمل على بناء شراكات جديدة مع القوى الصاعدة غير الغربية، كالصين وروسيا، للخروج من أسر التبعية للولايات المتحدة. غير أن الأوضاع تغيّرت تماماً بعد ما سُمّي «الانقلاب الدستوري» الذي أزاح الرئيسة البرازيلية، ديلما روسيف، من السلطة، وأتى بميشيل تامر، المعروف بعمالته المباشرة للاستخبارات الأميركية، لمدّة سنتين مهّدتا لانتصار الفاشي جايير بولسنارو في الانتخابات الرئاسية، وخيانة لينين مورينو، الرئيس الحالي للإكوادور، لـ«ثورة المواطنية» التي كان قد باشر بها الرئيس السابق ورفيق دربه، رافاييل كوريا. سبقت هذه التطورات عودة واشنطن إلى اعتماد سياسة الانقلابات في أميركا الوسطى واللاتينية رسمياً، منذ إشرافها على المحاولة الانقلابية التي وقعت في فنزويلا في بداية هذا العام، ودعوات مسؤوليها إلى إطاحة النظم الوطنية الأخرى في بوليفيا وكوبا ونيكاراغوا. وعليه، هل يبقى الالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية ممكناً من قِبَل القوى الوطنية الساعية للتغيير في تلك البلدان في ظلّ هذه التوجهات الأميركية؟

ظن الكثيرون أن موافقة الولايات المتحدة على «عمليات الانتقال نحو الديمقراطية» في العديد من دول أميركا الوسطى واللاتينية، والتي كانت محكومة من طغم عسكرية حليفة لها في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي كالأرجنتين والتشيلي والباراغوي والسلفادور وغيرها، يعني أن صفحة من التاريخ قد طويت، وأن واشنطن، بعد نهاية الحرب الباردة، لم تعد لديها أسباب وجيهة للخشية من وصول قوى وطنية جذرية إلى السلطة في هذه البلدان عن طريق الانتخابات. وبالفعل، فقد تناوبت على السلطة، حتى أواخر التسعينيات، أحزاب من يمين الوسط ويسار الوسط التزمت بدرجات متفاوتة بـ«إجماع واشنطن»، أي ثوابت النيوليبرالية، على مستوى السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وباستمرار التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. نقطة التحوّل الفعلية التي أسّست لمسار مختلف كانت وصول هوغو تشافيز وما عبّر عنه من توجهات إصلاحية جذرية إلى السلطة في كانون الأول/ ديسمبر 1998. نسي الكثيرون أن المحاولة الانقلابية الأولى ضد تشافيز تمّت في 11 نيسان/ أبريل 2002، وأنها باءت بالفشل نتيجة للالتفاف الشعبي الكبير حوله، ولأن قطاعات أساسية في الجيش كانت مؤيدة له. لكن الحقيقة الأساسية التي لا يمكن إغفالها، والتي سمحت بحصول تغييرات وطنية أخرى في بلدان أميركا اللاتينية، هي عدم استطاعة القوة العاتية الأميركية تقديم دعم أكبر للانقلابيين آنذاك، نتيجة لتركيزها على الشرق الأوسط ومشروعها لإعادة صياغته، وعلى حربها المزعومة على الإرهاب. من دون تورّطها في حربي أفغانستان والعراق والتكاليف الهائلة التي نجمت عنهما، ما كانت الولايات المتحدة لتقبل بأيّ شكل ما جرى في «حديقتها الخلفية».
وَعْيُ هذه الحقيقة يوضح الترابط الزمني بين تغيير الأولويات الاستراتيجية الأميركية والتحولات في أميركا اللاتينية اليوم. الأولويتان الاستراتيجيتان لإدارة ترامب هما التصدي لصعود الصين، واستعادة السيطرة على «الحديقة الخلفية» ومنع تغلغل بكين وموسكو فيها. لم تتردد فنزويلا ولا بوليفيا موراليس ولا برازيل لولا وديلما في نسج الشراكات وحتى التحالفات مع المنافسين الدوليين لواشنطن، وهذا أبرز ما يثير جنون الولايات المتحدة. وكونها إمبراطورية منحدرة، يضاعف من شراستها في القتال للحفاظ على مناطق نفوذها. الترجمة العملية لهذا الأمر هي العودة إلى رعاية الانقلابات والثورات المضادة. تكفي لفهم ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى شعوب البلدان المعنية متابعة ما آلت إليه الأوضاع في البرازيل أو في الإكوادور التي يقول رئيسها السابق، رافاييل كوريا، في مقال في العدد الأخير من «لوموند ديبلوماتيك» إن بلاده «دُمّرت بسنتين». المصير المظلم نفسه ينتظر بوليفيا وشعبها بعد نجاح الانقلاب. تمكّنت الولايات المتحدة وحلفاؤها المحليون، وهم أقليات عرقية - اجتماعية، من استغلال التأزمات السياسية والاقتصادية التي لا بدّ من أن تشهدها البلدان التي ارتبطت بعلاقات تبعية معها، لاستقطاب فئات من الطبقة الوسطى وحتى بعض القطاعات الشعبية وتأليبها على الأنظمة الوطنية. لقد ورثت هذه الأنظمة دولاً نخر مؤسّساتها الفساد وجماعات المصالح الموالية للولايات المتحدة، وهي وجدت نفسها في صراع مع كتل اجتماعية منظمة وقوية ومدعومة من الخارج تقاوم أيّ تغيير. إنجاز التغيير الفعلي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، أي بكلام أوضح إعادة بناء دول وطنية مستقلة وممثلة لأغلبية الشعب، يتطلّب الخروج من الزمن الانتخابي والعمل ضمن مخططات إصلاحية طويلة الأمد. وهو يعني أيضاً اعتبار القوى المعارضة المرتبطة بالخارج قوى عميلة والتعامل معها على هذا الأساس، أي حرمانها من الحق في العمل السياسي وحلّ أحزابها وجمعياتها ومؤسساتها الإعلامية والثقافية. من المستحيل إنجاز التغيير ما لم تتمكن القوى الوطنية من شلّ قدرة القوى المعادية له على منعه. السبب المركزي الذي حال دون نجاح الانقلاب في فنزويلا هو طبعاً التفاف الجيش والقسم الأعظم من الشعب حول مادورو، ولكن أيضاً تشكيل قوات مسلحة شعبية للدفاع عن الثورة. لا يمكن ردع الإمبراطورية المنحدرة وأدواتها عن الحرب والعدوان والتآمر عبر الالتزام بقواعد «لعبة الديمقراطية» التي لا تلتزم هي بها ولو بالحدّ الأدنى.