لندن | بينما تدخل المملكة المتحدة العدّ العكسي للأسابيع الثلاثة الأخيرة، قبل انقضاء مهلة التوصّل إلى اتفاق بشأن ترتيبات إنهاء العضوية في الاتحاد الأوروبي (بريكست)، نهاية الشهر الحالي، وفيما يرتفع منسوب قلق جميع الأطراف من مُضاعفات سلبية قد تترافق مع ذلك قانونياً ولوجستياً واقتصادياً وحتى أمنياً، فإن فريق حكومة أقلية النخبة التي يقودها بوريس جونسون يواصل إحكام سيطرة حديدية على الجهاز التنفيذي. يبني هذا الأخير خطط مواجهة مدروسة للتعاطي مع كل الاحتمالات، على نحو يضمن استمرار تلك الأقلية، عبر احتكار السلطة والنفوذ، سواء أتمّ «بريكست» بلا اتفاق في 31 تشرين الأول / أكتوبر أم لم يتمّ، وسواء أُجريت انتخابات عامة أم لم تُجرَ، وسواء سُحب التكليف الملكي منه أم لم يُسحب.

ولا تبدو محدلة جونسون في وارد التوقّف قريباً، رغم الإدانة القاسية التي تعرّض لها من قبل المحكمة العليا الشهر الماضي، والتي اعتبرت قراره تعليق أعمال البرلمان منافياً للقانون، ورغم سيل الشتائم والأوصاف التي تُلقي بها المعارضةمن طراز «ممارسات لاديمقراطية» واتهامات بتبنّي «نهج ديكتاتوري»، فضلاً عن سلسلة فضائح تضمّنت إنفاق جونسون أموالاً عامة لمصلحة عشيقة أميركية أيام تولّيه منصب عمدة لندن، والاعتداء الجنسي على صحافية عندما عمل كرئيس لتحرير أسبوعية «سبكتاتور» اليمينية. بل إن فريق جونسون يبدو غير عابئ، ومفعماً بروح التحدي أمام الأنباء التي تسرّبت عن طلب الملكة العجوز (94 عاماً) إجراء مداولات مع مجلس مستشاريها وفريقها القانوني بشأن «إمكان سحب التكليف الملكي وصرف رئيس وزراء عامل من الخدمة»، في سابقة تاريخية لم تحدث طوال عهد الملكة الحالية منذ تولّيها العرش عام 1952.
إضافة إلى ذلك، يبدو من الواضح أن جونسون لن يستقيل تحت أي ظرف، بحجة أنّه يناضل لتحقيق الإرادة الشعبية المتمثّلة في الخروج من الاتحاد الأوروبي وفق استفتاء عام 2016، وهو لذلك يحصل على تأييد واسع بين 45% من المواطنين، الذين لا يزالون يعبّرون عن رغبتهم في المضي قدماً نحو «بريكست». وفي هذا المجال، قد يتسلّح رئيس الحكومة بحجّة أن إسقاط التكليف الملكي عنه سيكشف عن أن المنظومة الحاكمة معادية لآمال الأمة، وأنه ضحيّة لمؤامرة ضد البريطانيين (الأصليين) من قبل تحالف الدوائر الليبرالية واليسارية والمتأسلمة، ما سيُكسبه شعبية إضافية في أي انتخابات، ستأتي به مجدداً رئيس وزراء مُنتخباً تعزّزه شرعية برلمانية صريحة هذه المرّة، من دون أن تملك الملكة حقّ صرفه.

يبدو أن جونسون لن يستقيل تحت أي ظرف بحجّة أنّه يناضل لتحقيق الإرادة الشعبية


بناءً على ما تقدّم، يتّجه الفريق الحاكم إلى تمرير استحقاق 19 تشرين الأوّل / أكتوبر الحالي ــ الذي يفرض وفق قانون «(هيلاري) بين»، الطلب إلى بروكسل تمديد مهلة «بريكست» ثلاثة أشهر إضافية ــ عبر إمكانية فرض حالة طوارئ استثنائية في البلاد تتيح للحكومة تعليق العمل بذلك القانون، إلى ما بعد انتهاء مهلة «بريكست» الحالية (31 تشرين الأول / أكتوبر)، بحجّة المخاطر الإجرائية والأمنية المتوقّعة لحظة انتهاء المهلة. وتلك مسألة سيسعى الجانب الملكي إلى تجنّب التدخّل فيها، إذ يمكن نظرياً أن تتحوّل إلى نوع من انقلاب على الحكومة تقوده الملكة بنفسها، إن هي أرادت فرض حكم القانون، الأمر الذي سيتسبّب غالباً بشلل عمل الأجهزة التنفيذية، كما سيقود إلى تململ في الجيش والقوى الأمنية.
بالطبع، فإن جونسون وفريقه ما كان لهما أن يملكا أوراق القوّة هذه لولا حالة «البلاهة» التي يمر فيها البرلمان البريطاني، وذلك باستعارة المصطلح الذي ابتدعه كارل ماركس لوصف وضع فقدان الوزن وانعدام التأثير الذي تُصاب به الديموقراطيات البرلمانية التقليدية نتيجة الانقسامات الحزبية الضيّقة. فتَوَزُّع المقاعد في مجلس العموم لم يسمح، بعد ثلاث سنوات من الجدل العقيم، لا في إيقاف «بريكست»، ولا في إسقاط حكومة «المحافظين» اليمينية من السلطة رغم الأغلبية الهشّة التي تحكم عبرها. حالة «البلاهة البرلمانية» بريطانياً، ليست بالضرورة حاصل استقطاب بين طرفي اللعبة الكبار، أي حزب «المحافظين» الحاكم ــ يمين الوسط ــ وحزب «العمّال» المعارض ــ يسار الوسط ــ بقدر ما هي نتيجة انقسام بنيوي داخل المعارضة ذاتها سواء نتيجة للحرب الأهلية المستمرّة داخل حزب «العمّال» (تيار اليمين أتباع توني بلير، وتيار اليسار أتباع جيريمي كوربن)، أم للموقف التقليدي المُخزي لحزب «الليبراليين الأحرار» البرجوازي (المؤيّد بشدة لوقف «بريكست»، شرط ألا يتولّى اليساري جيريمي كوربن السلطة)، وهيمنة حسابات المصالح الضيّقة على تفكير الأحزاب الصغيرة. انقسام ترتّب عليه فشل كل المناورات السياسية ضد حكومة جونسون ــ وقبلها حكومة تيريزا ماي ــ سواء أكانت فكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية مؤقتة، أم فرض انتخابات عامة مبكرة، أم تنظيم استفتاء جديد على «بريكست».
في مقابل خليط الصلف والعجز في أروقة النظام السياسي البريطاني الحاكم، تظلّ الطبقة البريطانية العاملة وحيدة في مواجهة الكارثة المقبلة: خروج غير منظّم للدولة من عضوية الاتحاد الأوروبي سيتسبّب ــ أقلّه على المديَين القصير والمتوسط ــ بكساد اقتصادي وانهيار في القدرة الشرائية وتراجع ملموس في الميزانية العامة، الأمر الذي سيُترجم عبر مزيد من إجراءات التقشّف الحكومي التي أنهكت الأغلبيّة منذ عام 2008، وتسبّبت في خفض مستوى حياة المواطن البريطاني. والأخطر، أن هيمنة تحالف يمين الوسط واليمين المتطرّف بقيادة جونسون على الحكم، ستتكرّس لعقد مقبل على الأقل تُعاد خلاله صياغة طبيعة الدولة البريطانية بالكامل، عبر الانخراط الكلّي في المشروع الأميركي، وبناء حكم مركزي قوي يوقف عنوةً تفكّك أقاليم المملكة النازعة إلى الخروج من تحت عباءة لندن (اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية وجبل طارق). كل ذلك في غياب كلّي لليسار عن الفعل أو التأثير ــ قاطع 25 ألفاً من المواطنين استفتاء عام 2016 استجابة لدعوة الماركسيين وقتها مقابل 34 مليوناً أدلوا بأصواتهم ــ إنها الأزمنة المظلمة.