تقدّر الدراسات أن النواة الصلبة لحزب «العدالة والتنمية» هي بحدود 39 - 40%. كتلة التأييد هذه في الشارع التركي كان همّها الأساسي إبقاء الإسلاميين في السلطة ومنع عودة العلمانيين إليها بأيّ ثمن. لذا، كانت في كل معارك الرئيس رجب طيب أردوغان منذ العام 2002 تميل حيث يميل، داعمةً سياساته الداخلية والخارجية بكل تعرّجاتها ومجازفاتها. في هذا الوقت، كانت النسبة التي ينالها أردوغان تبدأ من 40% وتنتهي إلى 49 - 50% كحزب، و52% كشخص. تلك الكتلة الإضافية المُقدّرة بـ10% تتكوّن من محافظين غير حزبيين، وربما من مستقلّين يتأثرون باللحظة الزمنية، خصوصاً الاقتصادية، عشية كل انتخابات، وهي تتمدّد أو تتقلّص تبعاً لمزاج لا يمكن القبض عليه في استطلاعات الرأي، فيدخل ضمن خانة الذين «لا قرار» لهم.

ثمة عاملان رئيسان يلعبان دوراً حاسماً في بلورة نتائج الانتخابات، أي انتخابات، في تركيا: الأول انقسام المعارضة، والثاني وحدة الحالة الإسلامية. في ما يتعلق بالعامل الأول، مثّلت انتخابات 7 حزيران 2015 نموذجاً صارخاً على أن انقسام المعارضة كان السبب الأول في انتصارات أردوغان. فازت المعارضة حينها وخسر حزب «العدالة والتنمية». لكن رفض حزب «الحركة القومية» الدخول في أيّ حكومة يكون الحزب الكردي طرفاً فيها أو حتى داعماً لها من الخارج، أطاح فرصة ذهبية نادرة لإسقاط «العدالة والتنمية» وإخراجه من جنّة الحكم. وعاد أردوغان وأعاد الانتخابات بعد خمسة أشهر ليفوز بها بعد ممارسة أقصى الضغوط، خصوصاً ضدّ الناخبين الأكراد، من قتل وتدمير واعتقالات. وعندما توحّدت المعارضة من علمانيين وأكراد وبعض القوميين الذين انشقوا عن حزب «الحركة القومية»، تقاربت النسبة كثيراً بين أردوغان ومعارضيه، لتُتوَّج في الانتخابات البلدية في 31 آذار الماضي بخسارة تاريخية لأردوغان في المدن الكبرى، وبفارق 5% في إسطنبول لصالح مرشح المعارضة.
أما العامل الثاني، فهو وحدة الحركة الإسلامية. مع بداية صعود «العدالة والتنمية»، تكتّلت كل الشرائح الإسلامية، باستثناء حزب «السعادة» الصغير (بالكاد 1 - 2%)، حول الوافد الحزبي الإسلامي الجديد بهدف تصفية السلطة العلمانية للمرة الأولى منذ 80 عاماً. وقد تحصّل لها ذلك. كانت الكتلة الإسلامية تتشكّل من جناحين رئيسين: حزب «العدالة والتنمية» وحركة فتح الله غولن. ليس من تقديرات دقيقة للقوة الانتخابية لحركة غولن، التي لعب تأثيرها الإعلامي والقضائي والاقتصادي وفي المؤسسات العسكرية والأمنية دوراً في تغيير المزاج الشعبي لصالح «العدالة والتنمية». لكن بعد انفجار الخلاف بين الطرفين، ولا سيما إثر محاولة الانقلاب في 15 تموز 2016، أمكن القول إن «العدالة والتنمية» فقد جانباً من القوة التجييرية داخل الحركة الإسلامية، خصوصاً أن حملات الاعتقال والسجن والطرد من الوظائف وإغلاق المؤسسات الخاصة طاولت عشرات بل مئات الآلاف من المواطنين الذين بالتأكيد أدلوا بأصواتهم ضدّ الحزب.

الحركة الانشقاقية ليست واحدة ولن تلتقي في بنية حزبية واحدة


الكتلة الثانية، بخلاف حركة غولن، ليست فقط من داخل الحالة الإسلامية، بل من داخل بنية «العدالة والتنمية». وهي تتشكل حتى الآن من حركة علي باباجان – عبد الله غول، وحركة أحمد داود أوغلو. هذه «الكتلة المتمرّدة» كانت حتى الانتخابات البلدية الأخيرة تصبّ أصواتها مبدئياً في صندوقة «العدالة والتنمية»، أو على الأقلّ لم يدعُ أحد من أركانها إلى التصويت ضدّه، بل أكثر من ذلك، ظلّ باباجان حتى أواخر حزيران الفائت، وداود أوغلو حتى الجمعة الماضي، عضوَين رسميَّين في الحزب. أما عبد الله غول، فاستقال منه لدى انتخابه رئيساً للجمهورية في 28 آب 2007 نظراً إلى أن الدستور يقتضي حيادية الرئيس. وعندما أراد العودة لدى انتهاء ولايته في 28 آب 2014، منعه أردوغان من ذلك، فبقي حتى اليوم خارج الحزب. والثلاثة لم يصدر عنهم حتى الأمس القريب أي انتقاد جدّي لسياسات «العدالة والتنمية»، حتى ولو بـ«تغريدة» واحدة. نجح أردوغان في تعويض خسارته لأصوات حركة غولن بتحالفه مع حزب «الحركة القومية» بقيادة دولت باهتشلي، الذي تحول إلى جناح غير رسمي من «العدالة والتنمية» تجمعه به نزعة قومية متشددة. لكن أردوغان لم يربح كل «الحركة القومية»، إذ انقسم الأخير على نفسه لتُؤسّس ميرال آقشينير «الحزب الجيّد» الذي «أكل» نصف قاعدة الحزب الأصيل.
لاحقاً، وصلت كأس الانشقاقات، للمرة الأولى، إلى بنية «العدالة والتنمية»، علماً بأن المنشقين ليسوا شخصيات هامشية، بل من صلب فكر الحزب ونهجه وسياساته. وهذا يحمل على التساؤل عمّا إذا كانت الحركة الانشقاقية تحمل فكراً جديداً أو تطويرياً لفكر الحزب، كما كان «العدالة والتنمية» نفسه عندما تأسّس في صيف 2001 تجديداً وتطويراً لحزب «الفضيلة» المنحلّ. وما يضاعف الضغوط على أردوغان أن الانشقاقات بدأت تطال صحافيين يعملون في صحيفة «يني شفق»، مثل كمال أوزتورك وأوزليم ألبيرق وآيدين أونال وفاروق آقصوي وسردار تونجير. المفارقة أن الحركة الانشقاقية ليست واحدة، ولن تلتقي في بنية حزبية واحدة. علي باباجان أعلن، الأسبوع الفائت، أنه لن يكون مع داود أوغلو في حزب واحد، لأن الهدف كما الأسلوب مختلفان. والجمعة الماضي، نجح داود أوغلو في اكتساب صورة الضحية عندما ترك «العدالة والتنمية» يتخذ قراراً مبدئياً بطرده من الحزب، ولكنه اختار أن يستقيل هو قبل التصديق على قرار العزل، ليظهر في الأدبيات التاريخية للحزب أنه هو الذي خرج وليسوا هم الذين أخرجوه، فحافظ بذلك على كرامته الشخصية والفكرية.
معارضة باباجان غير واضحة في مقوّماتها وفكرها، لكنها تحاول الاستفادة من تجربته الشخصية في وزارة المالية كما الخارجية وثقة عالم الأعمال به. كذلك سيكون عبد الله غول، الذي لن ينضمّ إلى الحزب المزمع إنشاؤه، «المرشد الروحي»، وسيعطي الحزب «هيبة» يحتاج إليها، نظراً إلى شخصية غول «الوازنة». وفي الجناح الثاني من الحركة الانشقاقية، يبدو أحمد داود أوغلو أكثر تماسكاً لجهة النهج الفكري للحزب الوليد وفلسفة دوره المستقبلي، وما يساعده على ذلك خلفيته الأكاديمية، علماً بأنه اشتُهر بكثير من المقولات المثيرة للجدل. في سياق هذه الأطر، يمكن القول إن جناحَي الانشقاقيين سيخصمان من الكتلة الصلبة لحزب «العدالة والتنمية»، أي من الـ40%. وعلى رغم أن الأرقام لا تزال أولية وغير دقيقة، فإن من غير المعروف نسبة من سينتقلون من قاعدة الحزب إلى حزبَي باباجان وداود أوغلو. فإذا كان داود أوغلو وحده سينال، وفقاً لشركة «أوراسيا»، حوالى 4%، وإذا كان باباجان سينال مثلها أو أكثر، فإن أصوات «العدالة والتنمية» ستتراجع في حدّها الأدنى إلى أقلّ من 35%. لكن مراد غيزيجي، مدير شركة «غيزيجي» لاستطلاع الرأي، يقول إن مجموع الأصوات التي قد ينالها حزبا باباجان وداود أوغلو معاً هو أقل من 2%. وأهمية النسب هنا أنه مهما صغرت، فإن معيارها في تأثيرها ليس في الانتخابات النيابية؛ إذ لم تعد للبرلمان أهمية، ولا في الانتخابات البلدية، بل الرئاسية حيث كل السلطة بيد رئيس الجمهورية، والفوز هو لمن ينال 50 فاصلة %.
في تركيا انتظارُ يومٍ كثيرٌ في السياسة، فكيف انتظار أربع سنوات حتى يحين موعد الانتخابات الرئاسية. مع ذلك، تتهيّأ البلاد في الشهرين المقبلين لمتغيرات حيوية في المشهد السياسي ستكون لها تأثيراتها في استحقاق 2023 الرئاسي، بشرط توحّد «تحالف السبعة» (أي: حزب «الشعب الجمهوري» + حزب «الشعوب الديموقراطي» الكردي + «الحزب الجيد» القومي + حزب «السعادة» الإسلامي + حزب باباجان/ غول + حزب داود أوغلو + جماعة غولن) واتفاقه حينها على مرشح مشترك للرئاسة، وهذه مسألة غير مضمونة. هل سيكون غول أم أكرم إمام أوغلو أم علي باباجان أم آخر يجمعون عليه؟ خلا مثل هذا «الإجماع الصادق»، سيبقى أردوغان حاكماً مطلقاً لسنوات إضافية.