لم يكن رفض المرشد الإيراني، السيد علي خامنئي، لأي مستوى من المفاوضات مع الإدارة الأميركية، مجرد تأكيد لموقفه الأصيل في مواجهة حملة «الضغوط القصوى» التي تتعرض لها الجمهورية الإسلامية، بل هو يمثل محطة إضافية في سياق تبديد تقديرات بدا أنها تراود المعسكر المعادي لإيران، حول وجود استعداد ما للموافقة على عقد لقاء بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب، والإيراني حسن روحاني، على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك، كان يؤمل أن يشكل فاتحة لمسار جديد تُستدرَج فيه طهران إلى التفاوض تحت سوط العقوبات. وعليه، فإن إعادة تثبيت موقف الرفض على لسان خامنئي ترتقي أيضاً إلى مستوى الهجوم المضاد الذي وجّه أكثر من رسالة عكست قوة الموقف الإيراني، وسيكون لها حضورها لدى القوى الإقليمية والدولية، ومن ضمنها إسرائيل.

كشف موقف خامنئي أن إيران ماضية في مسار تخفيف التزاماتها النووية (أ ف ب )

عكس الموقف الحاسم لخامنئي رؤية مختلفة جذرياً عمّا هو سائد في واشنطن وتل أبيب إزاء آفاق الوضع الاقتصادي والداخلي في إيران. وبيّن أن رؤية القيادة الإيرانية لقدرة الجمهورية الإسلامية على الصمود ومواجهة التحديات أبعد بكثير من التقديرات التي تغذي رهانات المعسكر المعادي، وقد تسبب إطالة أمد المواجهة. كذلك، كشف موقف خامنئي أن إيران ماضية في مسار تخفيف التزاماتها النووية، خاصة أن ما أقدمت عليه في الأيام الأخيرة تميز عن سابقاته بأنه لم يكن مجرد رسالة بهدف إثبات الجدية، بل أشار إلى أن ما سيليه سيشكل عامل ضغط جدياً، وتحديداً بالنسبة إلى الكيان الإسرائيلي الأكثر حساسية إزاء أي تطور نووي إيراني.
وإذ رأى خامنئي أن الهدف من الدعوة الأميركية إلى المفاوضات فرض مطالب الولايات المتحدة على إيران، فهو جزم بأن طهران ليست في وارد التفاوض ما دامت العقوبات قائمة، أما «إذا تراجعت أميركا عن كلامها، وتابت وعادت إلى الاتفاق النووي الذي نقضته»، عندها فقط «تستطيع أن تشارك أيضاً في مجموعة الدول الأعضاء في الاتفاقية، وأن تتحدّث إلى إيران». وبعدما نبّه إلى أن الأميركيين يريدون أن «يثبتوا للجميع أن سياسة الضغوط القصوى نجحت في إجبار مسؤولي الجمهورية الإسلامية على القدوم إلى طاولة المفاوضات»، شدد على ضرورة مواجهة هذا الرهان الأميركي بهدف إسقاطه، قائلاً: «علينا في المقابل أن نثبت أن سياسة فرض الضغوط القصوى على الشعب الإيراني لا توجد لها أدنى قيمة».
المواقف المكثفة والمباشرة التي أدلى بها خامنئي نسفت أيّ رهان على محاولة التأثير في حسابات القيادة الإيرانية. فبدلاً من أن تنطلق الأخيرة من التسليم بأن خياراتها ضيقة في ضوء تفاقم الوضع الاقتصادي، وتندفع بالنتيجة نحو طاولة المفاوضات باعتبارها المخرج الوحيد من الأزمة القائمة، قدم خامنئي المفاوضات على أنها مدخل إلى سلسلة تنازلات لا تنتهي، تؤدي إلى تفاقم الوضع في إيران، لأنّ «الأمر بعد الآن سيكون على هذا النحو: أي شيء وقح يطلبونه من الجمهورية الإسلامية، إن قلنا لهم سمعاً وطاعة فستنتهي القضية، لكن إن عارضناهم فسيبدأون بفرض الضغوط القصوى مرة أخرى». وهو موقف يبدو كفيلاً بتعطيل الكثير من رهانات الإدارة الأميركية، التي تكمن مشكلتها في أن هذه الرؤية بالذات هي التي تحكم أداء الجمهورية الإسلامية، انطلاقاً من تقدير مفاده أن ثمن مواجهة الضغوط يبقى أقلّ من ثمن الخضوع لها.
مواقف خامنئي نسفت أيّ رهان على محاولة التأثير في حسابات القيادة الإيرانية


يتبادل الطرفان الأميركي والإيراني الرسائل. من جهة، تحاول واشنطن التأكيد على لسان كبار مسؤوليها عزمها على مواصلة سياسة «الضغوط القصوى»، على أمل إحداث تغيير جذري في حسابات القيادة في إيران. وفي المقابل، تؤكد قيادة الجمهورية الإسلامية أنها لن تتراجع عن ثوابتها المتصلة بالمفاوضات مع إدارة ترامب، سواء اقتنع الأميركيون بذلك وتراجعوا، أو بقوا مصممين على خيارهم. ومع أن خامنئي أرجأ الحديث التفصيلي عن الدور الأوروبي، إلا أنه لمّح إلى كونه مكمّلاً للضغوط الأميركية، حيث اعتبر أن «سبب إصرارهم على أن نعقد لقاء مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وقولهم إن مشاكلنا ستُحلّ كلّها، هو أن يثبتوا أن سياسة الضغوط القصوى نجحت مع إيران وينبغي اتباعها».
أما بالنسبة إلى تل أبيب، فالمؤكد أن موقف خامنئي الحاسم ستكون له مفاعيله داخل مؤسسات القرار السياسي والاستخباري، لكونه يؤشر على مسارات مغايرة تماماً لما كانت تأمله إسرائيل. لوهلة، يظهر وكأن الموقف الإيراني سيريح تل أبيب لتبدّد إمكانية عقد لقاء بين الطرفين الأميركي والإيراني، بعدما أظهرت قلقاً من تداعيات مثل هذا اللقاء لكونه قد يشكل مدخلاً لتخفيف العقوبات، لكن الواقع يؤشر على عكس ذلك؛ إذ إن خامنئي أظهر ثقة تامة بالقدرة على الصمود الاقتصادي والسياسي، وتصميماً على عدم التراجع عن أيّ من ثوابت إيران، بما فيها خياراتها الإقليمية. لكن ما قد يرفع من درجة التوتر الإسرائيلي في المرحلة المقبلة، التزامن بين مواقف خامنئي، ورسائل الضربة القاصمة التي تعرض لها النظام السعودي، في ظلّ انكفاء أميركي عن المواجهة المباشرة. وكلّ من هذه المحطات ستكون لها مفاعيلها في تل أبيب، بعد أن تفرغ الأخيرة من الانتخابات التي عكست بدورها أزمة من نوع آخر يشهدها الكيان.