بقيت حصيلة قمة السبع، الموضوعة تحت راية «محاربة اللامساواة»، أقل بكثير من التوقعات المرتبطة بموضوع حدثي ساخن. بعد عامين على القمة التي عُقدت في إيطاليا، وفشل الأولوية المعلنة للحد من تفاوت الثروة، لم تسُفر الأيام الثلاث من النقاشات التي دارت في بياريتس من 23 آب / أغسطس إلى 26 آب / أغسطس، عن أي خطة ملموسة من أجل إعادة توجيه سياسات التنمية باتجاه هدف محاربة اللامساواة العالمية. هذا هو الاستنتاج الذي توصلت اليه الجمعيات غير الحكومية، مثل Coordination Sud، والتي دُعيت للحوار على مدى أشهر سبقت القمة، مع ممثلي مجموعة الدول السبعة، من أجل الترويج لمبادرات والتزامات حقيقية. عشية افتتاح القمة، أعربت جمعية «أوكسفام» عن شكوكها، وصولاً إلى إدانتها «الاختيار المعيب» لهذا الموضوع للقاء يجمع بين القوى «المسؤولة» عن تعميق اللامساواة والاستقطاب المفرط للدخل. الجمعية غير الحكومية أشارت، في الواقع، إلى أن «الـ20% من الأكثر فقراً بين سكان دول مجموعة السبع، لا يحصلون، في المتوسط، سوى على 5% من مجموع الثروات، بينما يحصل 20% من الأكثر غناً على 45%». ويؤكد تقرير توضيحي نشرته هذه الجمعية، في كانون الثاني / يناير، أن دخل الميليارديرات ارتفع بنسبة 12% في عام 2018، أي 2.5 مليار دولار في اليوم، بينما شهد 3.8 مليارات شخص ممّن يؤلفون نصف الإنسانية الأكثر فقراً، ثروتهم تتقلّص بنسبة 11%. وقد جرى تسليط الضوء على هذه المفارقة من قبل عالم الاجتماع السويسري جان زيغلر، في كتابه «الرأسمالية مُفسّرة لابنتي الصغيرة (على أمل أن ترى نهايتها)»، فقد قال: «على الرغم من أن البشرية لم تنتج في تاريخها هذا القدر من الثراء، فقد وصل عدم التفاوت إلى ذروته».

استغل الرئيس الفرنسي، إذاً، فرصة هذه القمة الجديدة للقيام بحملة دعائية عبر دعوة ثماني دول، من بينها خمس دول أفريقية، إلى قمة مجموعة السبع، وللإعراب عن رغبته في القيام بمبادرات «قوية وجديدة لأفريقيا». هذه المبادرات، التي سيتعيّن انتظار آثارها الملموسة، ترتكز في الأساس على الاستثمار الخاص في ريادة الأعمال النسائية، والمساعدات الأمنية التي لا تجيب على تحدّي اللامساواة في القارة، ما يجعل من موضوع التطوّر الاقتصادي محصوراً في البعد النظري. وبالنظر إلى المسألة الأساسية المتمثّلة في محاربة عدم مساواة الدخل في دول مجموعة السبع نفسها، فإن الأمر لا يتعلّق فقط في أنه لم يجرِ اتخاذ أي إجراء ملموس، ولكن أيضاً في الخطاب التلفزيوني الذي ألقاه إيمانويل ماكرون، في 24 آب / أغسطس، على هامش قمة السبع، والذي ترك المراقبين الفرنسيين أكثر حذراً من التحدي الحاسم. الدراسات الموثقة عن العلاقة بين لامساواة الدخل والعجز الحقيقي في الحرية، كثيرة. في كتابهما «نظام اللامساواة»، يشير عالما الاجتماع الفرنسيان ألان بيهر ورولان فيفيكورن، في إطار تحليلهما للامساواة في أبعادها المتعدّدة، إلى أن تفاوت الدخل يؤثر على مجموعة الممارسات الاجتماعية، ما يؤدي إلى توسيع رقعة عدم المساواة في الوصول إلى المسكن، والاستهلاك، والصحة، ونوعية شروط الحياة... ومع ذلك، في هذه النقطة، فإن المبادئ التوجيهية التي دعا إليها ماكرون في بلد يهتز، منذ أشهر، على وقع التحدّي الذي تمثله «السترات الصفر»، تبدو غير متّسقة: «لقد نجحنا في إشراك عشرات الشركات الكبرى والمستثمرين بهدف أن لا يكون العمل فقط من أجل تأمين الربح للمساهمين، ولكن كي تنخرط بنفسها في الحياة اليومية، للعمل في سبيل المزيد من المساواة، وللحفاظ على المساواة أو لإعادة بنائها عندما لا تكون موجودة، ولكن أيضا لتبادلٍ أفضل للقيمة المضافة». اعطاء الأولوية للشركات عبر تكليفها بمهمة مكافحة اللامساواة، هو خطاب غير متّسق، ولكنه بالتأكيد ليس مفاجئاً. في الحقيقة، فإن الرؤية التي يعبّر عنها ماكرون والنخبة السياسية الغربية، مشبعة بالأسطورة الثابتة لـ«نظرية الفيض»، وهي اختراع للمروّجين المتحمّسين للنيوليبرالية، التي لا تستند مع ذلك الى أساس نظري جدي.

استغل ماكرون القمة للإعراب عن رغبته في القيام بمبادرات «قوية وجديدة لأفريقيا»


وفق هذه النظرية الاقتصادية، التي باتت حجر الزاوية لكل الأفكار الليبرالية، فإن التأثيرات تعود بالنفع على جميع السكان، بما في ذلك أفقر الفئات، عن طريق تخفيض الضريبة على دخل رأس المال ومن خلال تفضيل القطاعات الأغنى بين السكان. ولكن في الواقع، وكما يفسّر بدقة الأستاذ المساعد في الاقتصاد أرنو باريينتي في كتابه «خرافة نظرية الفيض»، فإن خفض ضرائب فئة من السكان يؤدي حتماً إلى فرض الضرائب على فئة أخرى، كما أن الطبقة الوسطى تزداد فقراً، وغالباً ما يصاحب ذلك انخفاض في الإنفاق العام. تنتج «نظرية الفيض»، إذاً، التأثير المعاكس لما هو مفترض منها: ارتفاع اللامساواة، وعدم الاستقرار الاجتماعي، وبطء النمو. وفي هذه النقطة الأخيرة، أظهرت الدراسة التي أجراها الاقتصاديون في صندوق النقد الدولي، في عام 2015، بشأن «أسباب وتداعيات اللامساواة»، أنه في الوقت الذي ارتفع فيه دخل 20% من الأكثر ثراءً بنسبة 1%، فإن نمو الناتج المحلي الإجمالي يشهد تباطؤاً في الأعوام الخمسة التالية، لذا فإن إثراء الأغنياء لا يفيد الفقراء. في مقابل ذلك، عندما يرتفع دخل 20% من الأكثر فقراً، فإن الناتج المحلي الإجمالي يتقدّم. وهذا التحليل يكمل تفكيك الأسس النظرية للسياسات الاقتصادية المعتمدة اليوم من قبل ماكرون ونظرائه الأوروبيين. المبادئ الرئيسية المُعلن عنها بشأن ضرورة مكافحة اللامساواة، تخفي في عمقها تطبيق سياسات التوزيع غير المتساوية، بشكل أساسي، والتي تشجعها سيطرة القطاع المالي على الاقتصاد، والغطاء الضريبي الممنوح للأكثر غناً. اللامساواة الاجتماعية، وإعادة إنتاجها، كما أشار دافيد هارفي، جزء لا يتجزأ من العولمة النيوليبرالية.