لا تنحصر المفاجآت التي أربكت مخططات العدو الإسرائيلي وأسقطت رهاناته، في سياق المواجهة مع حزب الله، خلال حرب عام 2006 وما بعدها، بل إنها تمتدّ إلى سياق المواجهة مع الجمهورية الإسلامية في إيران، حيث وضعته أمام واقع جديد كان أبعد ما يكون عن تقديراته. استندت الخيارات التي دعا إليها بنيامين نتنياهو في مواجهة إيران إلى تصوّرات محدّدة إزاء قدرتها على الصمود في المجالات كافة، لكن النتائج العملية خيّبت آمال رئيس وزراء العدو. يفترض المعلّق العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، أن نتنياهو، بنى، في دفعه الرئيس الأميركي ترامب دونالد ترامب نحو الخروج من الاتفاق النووي في أيار/ مايو 2018، على أن السيناريوات التي ستلي هذا الموقف ستكون محصورة بين مسار واسع يؤدي في النهاية إلى إسقاط النظام الإيراني، وبين تدهور عسكري يصل إلى حدّ شنّ هجوم أميركي على المواقع النووية الإيرانية.

لكن من الواضح أن إسرائيل فوجئت بما آلت إليه التطورات. إذ إن إيران صمدت اقتصادياً، على رغم قساوة العقوبات وتداعياتها على الواقع الاقتصادي للبلاد، حيث لم تؤدّ إلى إخضاع الجمهورية الإسلامية أو توليد حراك شعبي ضاغط على نظامها. كذلك فإنها صمدت سياسياً، إذ لم تقبل إعادة التفاوض مع إدارة ترامب حول الاتفاق، قبل أن تنتقل إلى مرحلة الردّ المتدرّج عبر تخفيف التزاماتها بموجب الاتفاق. أيضاً، عزّزت مظلّتها الردعية (إسقاط الطائرة الأميركية والسيطرة على ناقلة النفط البريطانية) التي حمت صمودها ومكّنتها من الانتقال إلى الردّ الذي تحوّل إلى عامل ضغط على الدول العظمى مجتمعة، كلّ من موقعه في خريطة الصراع. هذه المآلات يبدو واضحاً أنها باتت أكثر إقلاقاً لمؤسسة القرار في إسرائيل. ومن هنا، يحذر المعلقون الإسرائيليون، ومنهم هرئيل، من أن نتنياهو يمكن أن يواجه فعلياً «أحد السيناريوين، لكن بالاتجاه المعاكس (لما راهن عليه من ضربة عسكرية أو سقوط النظام)».

حتى لو غيّر ترامب موقفه من القضية الإيرانية، فإن نتنياهو سيجد صعوبة في مواجهته


ترجمة ذلك إمكانية عقد لقاء قمة يؤدي في نهاية الأمر إلى عودة أميركية للاتفاق النووي مع تغييرات طفيفة، عشية الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة أواخر السنة المقبلة، أو تَشجّع الإيرانيين، نتيجة عدم استعداد ترامب لمواجهة عسكرية معهم، على خرق الاتفاق بشكل لاذع والخروج منه، انطلاقاً من فرضية أن الأمر لن يؤدي إلى خطوات عقابية فعلية. ومع أن هرئيل حرص على أن يعرض هذه السيناريوات كتقديرات من دون أن ينسبها إلى مصادر أمنية، إلا أنه معروف بعلاقاته الوطيدة مع المؤسسة الأمنية، فضلاً عن اطلاعه على الأجواء السائدة في مؤسسات القرارين السياسي والأمني في تل أبيب. ومن هذا المنطلق، يتوقع هرئيل أن ينشغل رئيس الوزراء بالاستعداد للسيناريوين المذكورين الأسوأ بالنسبة إليه، وأن يحدّد لنفسه الخطوط الحمراء التي يفرض تجاوزُها تدخلاً إسرائيلياً.
مع ذلك، يرى هرئيل أنه حتى لو غير ترامب موقفه من القضية الإيرانية، لأسبابه، فإن نتنياهو سيجد صعوبة في مواجهته. لكن تداعيات المسار النووي، وما تنطوي عليه من تغيير في الصورة الاستراتيجية الأميركية ــــ الإسرائيلية مقابل إيران، ستترك تداعياتها على الداخل الإسرائيلي، وتحديداً في ما يتعلق بسلّم أولويات الميزانية وخطط بناء قوة الجيش، التي تتطلّب المزيد من الإنفاق. في هذا الإطار، يعتقد هرئيل أن سياسة نتنياهو وضعت رئيس أركان الجيش الحالي، أفيف كوخافي، في موقف حرج. ففي الوقت الذي يسعى فيه رئيس الأركان إلى بلورة خطة متعددة السنوات للجيش، يواجه حالة من انعدام اليقين بفعل تصريحات وزارة المالية حول نيتها خفض الميزانية الأمنية بعد الانتخابات. ومن الواضح أن هذه الطروحات تنبع من تفاقم أزمة العجز التي تحوّلت إلى تحدٍّ جدّي لمؤسسة القرار في تل أبيب، يضاف إليه تحدّيان آخران، هما نية كوخافي تحسين قدرات سلاح البر، إضافة إلى عودة التهديد النووي الإيراني إلى الواجهة من جديد بعد تخفيف إيران التزاماتها بموجب الاتفاق.
في فترة الاتفاق النووي، استفاد الجيش مما حصل عبر تحويل ميزانيات كانت مُوجّهة ضد إيران لمصلحة مجالات أخرى، بينها مواجهة «حزب الله» و«حماس»، ضمن «خطة غدعون»، في ظلّ تولي غادي أيزنكوت رئاسة الأركان. لكن يبدو أن مسار التطورات الحالية سيعيد إسرائيل إلى ما شهدته من حالة توثب بين مطلع العقد الحالي، وعام 2015، تاريخ إبرام الاتفاق النووي. وقتذاك، اعتمدت إسرائيل سياسة التلويح باستهداف المنشآت النووية الإيرانية، في مقابل استمرار تقدّم البرنامج النووي لإيران ورفع مستوى تخصيب اليورانيوم، وانعكس ذلك في حينه على الميزانية الأمنية. إذ وفقاً لرئيس الوزراء السابق، إيهود أولمرت، فإن «الجيش أنفق 11 مليار شيكل على استعداداته لمهاجمة إيران»، وهو ما لم يتحقق. وفي الاتجاه نفسه، يخلص هرئيل إلى أنه «إذا كانت هناك إمكانية تصعيد جديد مطروحة الآن، على رغم عدم رغبة ترامب في ذلك، فإن هذا سيناريو يستوجب استعداداً عسكرياً خاصاً».