نقل الرئيس الأميركي دونالد ترامب معركته مع النائبتين الديموقراطيتين إلهان عمر ورشيدة طليب إلى مستوى جديد، أول من أمس، حين طلب من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو منعهما من دخول الأراضي المحتلة، على خلفية دعوتهما إلى مقاطعة إسرائيل. وبالفعل، لم يكن من نتنياهو إلا أن نفّذ «أوامر» ترامب، الذي لم يُتعب نفسه حتى في تقديم طلب رسمي، بل اكتفى بنشر تغريدة على موقع «تويتر» في هذا الخصوص، المنصة التي يلجأ إليها، عادة، لحلّ غالبية المسائل الداخلية والخارجية.

ولطالما انتقدت عمر (من أصول صومالية) وطليب (من أصول فلسطينية) احتلال إسرائيل للضفة الغربية وكيفية معاملة الفلسطينيين، في حين واجهتا اتهامات بمعاداة السامية، وهو ما تنفيانه. كذلك، تُعرف النائبتان المسلمتان بأنهما من أشد المنتقدين لترامب، الأمر الذي وصل إلى حدّ مطالبة الأخير بعودتهما مع النائبة ألكسندريا أوكازيو ــ كورتيز وأيانا بريسلي، إلى الدول التي جئن منها، على الرغم من أنهن يملكن الجنسية الأميركية.
بناءً عليه، وتحت ضغط شديد من ترامب، قلبت الحكومة الإسرائيلية قراراً كانت قد اتخذته سابقاً بالسماح للنائبتين بزيارة الأراضي المحتلة. إلا أنها لم تلبث أن قرّرت لاحقاً السماح بزيارة طليب لدواعٍ «إنسانية»، على ما أعلن وزير الداخلية أرييه درعي، الذي قال إنها «زيارة إنسانية لجدتها»، مؤكداً في بيان أنها «وعدت بعدم الترويج لمسألة مقاطعة إسرائيل خلال زيارتها». وكانت هذه الأخيرة قد أرسلت، ليل الخميس الجمعة، طلباً خطياً إلى السلطات الإسرائيلية للسماح لها بزيارة عائلتها، وتحديداً جدتها المقيمة في قرية بت عور الفوقا قرب رام الله في الضفة الغربية المحتلة. وكتبت في رسالتها المقتضبة بالإنكليزية، التي نُشر نصها على الإنترنت: «قد تكون هذه فرصتي الأخيرة لزيارتها»، مضيفة: «أتعهد باحترام كل القيود وعدم الترويج لمقاطعة إسرائيل خلال زيارتي». لكنها عادت وتراجعت عن الزيارة، أمس، مُعلنة رفضها العرض الذي قدّمته لها السلطات الإسرائيلية، معتبرة أنّ الشروط التي فرضتها الدولة العبرية على الزيارة «جائرة». وقالت طليب، في تغريدة على موقع «تويتر»: «لقد قررت أنّ زيارة جدّتي في ظلّ هذه الشروط الجائرة تتعارض وكل ما أؤمن به، أي محاربة العنصرية والجور والظلم».
أما إلهان عمر فقد ردّت على القرار الإسرائيلي، واصفة إياه بالـ«مروّع»، ويمثّل «إهانة للقيم الديموقراطية». وكتبت في بيان: «إنها إهانة أن يمنع رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين) نتنياهو بضغط من الرئيس (الأميركي دونالد) ترامب دخول ممثلين عن الحكومة الأميركية». وذكرت عمر أن من مسؤولياتها كنائبة القيام بزيارات إلى الدول التي تحصل على مساعدة أميركية للإشراف على هذه المساعدات. وأضافت أن «السخرية في اتخاذ الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط مثل هذا القرار، هي أنه يشكل إهانة للقيم الديموقراطية ورداً مروّعاً على زيارة مسؤولين رسميين من دولة حليفة».
القرار الإسرائيلي لم يثِر انتقادات من قبل الديموقراطيين فحسب، بل أيضاً من قبل بعض الجمهوريين، بمن فيهم السيناتور ماركو روبيو، إضافة إلى لجنة الشؤون العامة الأميركية ــ الإسرائيلية «آيباك»، التي وصفت هذه الخطوة بالـ«غلطة».
وقد صبّت غالبية الانتقادات في إطار الدفاع عن إسرائيل، على اعتبار أن قراراً كهذا هو «ما تأملانه (طليب وعمر) منذ وقت طويل»، وهو ما صرّح به روبيو. حتى رئيسة مجلس النواب الأميركي، الديموقراطية نانسي بيلوسي، التي تردّدت في إصدار تصريح بهذا الشأن، اعتبرت لاحقاً أن منع إسرائيل دخول النائبتين «مؤشر إلى الضعف وأدنى من كرامة دولة إسرائيل العظيمة»، ووصفت هذه الخطوة بأنها «مخيبة كثيراً للآمال». كذلك، كتبت المرشحة الديموقراطية للرئاسة إليزابيث وارن عبر حسابها على موقع «تويتر»: «ستكون خطوة مخزية وغير مسبوقة».

القرار الإسرائيلي لم يثِر انتقادات من قبل الديموقراطيين فحسب، بل أيضاً من قبل بعض الجمهوريين


صحيفة «نيويورك تايمز» توقّفت، من جهتها، عند الصلاحيات التي ارتضاها الرئيس الأميركي لنفسه، معتبرة أنه «عن طريق تجنيد قوة أجنبية لاتخاذ إجراءات ضد اثنين من المواطنين الأميركيين، عدا عن أنهما عضوان منتخبان في الكونغرس، تخطّى ترامب حدوداً لم يسبقه إليها أيّ من الرؤساء السابقين». ولفتت الصحيفة إلى أن ترامب قام بذلك «عبر نقل معاركه الحزبية إلى خارج حدود بلاده». كذلك، أظهر المدى الذي يمكن أن يذهب إليه في إطار استهداف معارضيه الداخليين، وهم في هذه الحالة نائبتان في الكونغرس من أصحاب البشرة الملوّنة.
إسرائيلياً، بدا من الواضح خضوع نتنياهو للرئيس الأميركي، الذي صرّح قبل وقت قليل على إعلان السلطات الإسرائيلية قرارها، بأن «السماح لهما (رشيدة طليب وإلهان عمر) بالدخول يظهر ضعفاً كبيراً». وفي حديث إلى المراسلين، لم يُفصح ترامب عمّا إذا كان قد تحدّث مع نتنياهو عن المسألة، ولكنه اعترف بأنه «تحدّث مع أشخاص»، قبل نشر تغريدته.
إلا أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، وفي إطار تبريره للقرار، ربطه بالقانون الصادر عام 2017، والذي يمنع دخول الأجانب الذين يدعمون مقاطعة إسرائيل. وقال إن مسار رحلة عمر وطليب يؤكد أنهما تعتزمان مواصلة تأييد مقاطعة إسرائيل. وتابع في بيان: «كدولة ديموقراطية حرة ونابضة بالحياة، فإن إسرائيل تفتح أبوابها أمام أي منتقد أو انتقاد، مع استثناء وحيد». وأضاف: «يحظر قانون إسرائيل دخول الأشخاص الذين يدعون إلى مقاطعتها وينشطون في ذلك، كما هي الحال مع الديموقراطيات الأخرى التي تمنع دخول أشخاص تعتبر أنهم يلحقون ضرراً بالبلاد». وكان القانون المذكور قد صدر رداً على حركة مقاطعة إسرائيل كوسيلة للضغط عليها بسبب معاملتها للفلسطينيين.