ألغت الحكومة الهندية، أمس، الحكم الذاتي الذي كان قائماً في كشمير على مدى عقود، ما استدعى رداً غاضباً من عدوّتها اللدودة باكستان، وأثار مخاوف من تزايد أعمال العنف في المنطقة ذات الغالبية المسلمة. ويأتي هذا الإعلان بعد أجواء ضبابية سادت المنطقة اعتباراً من يوم الجمعة، حين أمرت نيودلهي السياح والحجاج الهندوس بالمغادرة «فوراً». وعند منتصف الليل، قُطعت شبكات الهاتف والإنترنت في المنطقة التي يزيد عدد سكانها على سبعة ملايين نسمة، وفُرض حظر تجوال، ليدفع حزب رئيس الوزراء، ناريندرا مودي، الهندوسي القومي، قُدُماً باتّجاه إصدار مرسوم رئاسي يلغي الوضع الخاص لولاية جامو وكشمير (شمال)، الذي كان يضمنه الدستور الهندي. وقدّم الحزب مشروع قانون ينص على تقسيم الشطر الهندي من كشمير إلى منطقتين خاضعتين مباشرة لسلطة نيودلهي.

وزير الداخلية، أميت شاه، المقرّب من مودي، أعلن أمام البرلمان، أن الرئيس أصدر مرسوماً يلغي المادة 370 من الدستور التي تعطي المنطقة حكماً ذاتياً، وتتيح للحكومة المركزية في نيودلهي سنّ التشريعات الخاصة بالدفاع والشؤون الخارجية والاتصالات في المنطقة، فيما يهتمّ البرلمان المحلي بالمسائل الأخرى. وبحسب المرسوم، فإن الإجراء يدخل «فوراً» حيّز التنفيذ. خطوةٌ سارعت باكستان إلى إدانتها، واصفةً إياها في بيان لوزارة خارجيتها بأنها «غير شرعية». وجاء في البيان أن باكستان جزء من هذا النزاع الدولي، و«ستلجأ إلى كل الخيارات المتاحة للتصدي للإجراءات غير الشرعية». كذلك، أفاد مصدر أمني باكستاني رفيع المستوى بالدعوة إلى اجتماع لكبار القادة العسكريين الباكستانيين سيعقد اليوم.

تعهّد معسكر مودي منذ زمن بإلغاء الوضع الخاص لكشمير


قرار الحكومة الهندية يتوّج سلسلة أحداث عاشتها كشمير المقسّمة إلى شطرين هندي وباكستاني، منذ استقلال البلدين في عام 1947، علماً بأن المدينة كانت محطّ نزاع منذ ما قبل الاستقلال. وبحسب خطة التقسيم المنصوص عليها في «قانون استقلال الهند»، فقد كانت كشمير حرّة في الانضمام إلى الهند أو باكستان، إلا أن الـ«ماهراجا» (أي الحاكم المحلي)، هاري سينغ، اختار الهند وقتها، لتندلع بعد ذلك حرب استمرت عامين، تلتها حرب أخرى في عام 1965، وصراع قصير الأمد ولكن مرير بين الهند والقوات المدعومة من باكستان في عام 1999. ويبقى السؤال: لماذا يسود عدم الاستقرار الجزء المحكوم من الهند؟ ليس كافياً القول إن العديد من سكّان تلك المنطقة لا يريدون أن يُحكموا من قِبَل الهند، بل هناك خيار آخر يحبّذونه وهو الاتحاد مع باكستان. تُعدّ الغالبية السكانية في الولاية التابعة للهند مسلمة (حوالى 60 في المئة)، ما يجعل منها الولاية الوحيدة في البلاد التي تضمّ أكثرية من المسلمين. فضلاً عمّا تقدم، أسهمت نسبة البطالة العالية، والشكاوى من انتهاك القوى الأمنية لحقوق الإنسان خلال قمعها المتظاهرين في الشوارع، في تفاقم الأزمة التي تفجرت مجدداً عام 2016، بعدما كان قد انحسر التمرّد منذ عام 1989. وقد كان السبب وراء تجدده مقتل ناشط معروف في معركة مع القوات الأمنية، ما أدى إلى إشعال تظاهرات كبيرة، قُتل على إثرها أكثر من ثلاثين مدنياً. ومنذ ذلك الحين، كان العنف يتصاعد في الولاية، ليصبح عدد القتلى أكثر من 500 شخص في عام 2018، من بينهم مدنيون وعناصر أمنيون وناشطون، وهو الرقم الأكبر منذ حوالى عقد.
أحداث كثيرة جرت بين الهند وباكستان على خلفية الوضع في كشمير خلال العقود الثلاثة الماضية، التي لم تخلُ مع ذلك من مساعٍ إلى محادثات سلام. إلا أن المفارقة الأخيرة هي أن معسكر ناريندرا مودي، الذي أعيد انتخابه في أيار/ مايو لولاية ثانية، تعهّد منذ زمن بإلغاء الوضع الخاص لكشمير، في وقت يتخوّف فيه كثر من سعي نيودلهي إلى إحداث تغيير ديموغرافي في المنطقة عبر السماح لغير الكشميريين، وبخاصة الهندوس، بشراء الأراضي في المنطقة، في خطوة من شأنها أن تفاقم التمرّد الدموي القائم في كشمير، وأن تعمّق العداوة القائمة مع باكستان.