كغيرها من الأزمات الدولية، تكشف المواجهة الدائرة في الخليج بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وبريطانيا من جهة أخرى، التحول المستمر في موازين القوى لغير مصلحة القوى الغربية المسيطرة على صعيد عالمي منذ قرون عديدة. مسار تراجع الهيمنة الغربية بدأ منذ عقود طويلة، لكنه يتسارع في السنوات الماضية، خاصة في منطقتنا. تعاملت الإدارات الأميركية المتعاقبة مع المنطقة، منذ نهاية الثنائية القطبية في تسعينيات القرن الماضي على وجه الخصوص، على أنها فضاء مستباح تستطيع غزوه واحتلاله و«إعادة صياغته» كما تشاء، مع حليفتها العضوية إسرائيل. المقاومات الضارية التي أبدتها شعوب المنطقة، وقلّة من دولها، أظهرت أن ما سُمّي «البطن الرخو للنظام الدولي» في تقارير «البنتاغون»، أقلّ رخاوة مما ظنّ مُعِدّوها، وأن مصائر بلدانها لن تُقرَّر في واشنطن وتل أبيب ولندن وغيرها من عواصم الغرب.

يأتي الحزم الإيراني في مواجهة «الضغوط القصوى» الأميركية، التي هي حرب اقتصادية وسياسية وإعلامية وسيبرانية ونفسية تمهيداً ربما لمواجهة عسكرية مباشرة، والمبادرة إلى «الاحتكاك» مع إسقاط طائرة التجسس الأميركية المسيّرة واحتجاز ناقلة نفط بريطانية رداً على احتجاز ناقلة إيرانية، ليشكلا مؤشراً جديداً على المدى الذي وصل إليه التغير في التوازنات الدولية. فتصدّي إيران للاستفزازات/ الاختبارات الأميركية ــــ البريطانية هو سابقة، بمعنى ما في علاقات بلدان الجنوب مع القوى الغربية المسيطرة منذ نهاية الثنائية القطبية. قبل ذلك التاريخ، خيضت حروب تحرر وطني مجيدة، ومُنيت القوى الغربية المسيطرة بهزائم عديدة في فيتنام والجزائر وكوبا والعديد من البلدان الأخرى. لكن انهيار الاتحاد السوفياتي وما تلاه من اختلال في التوازنات الدولية سمح للولايات المتحدة بشنّ سلسلة من الحروب العدوانية في منطقتنا وفي البلقان، كانت آخرها الحرب على العراق عام 2003 التي كان شعارها «الصدم والترويع». لم يكن اختيار هذا الاسم للحرب اعتباطياً من قِبَل إدارة جورج بوش الابن، فأحد أهدافها كان ترويع دول المنطقة وشعوبها لإخضاعها، وقد نجحت في تحقيقه مع بعض الأنظمة التي انساقت تماماً مع السياسة الأميركية من بعدها.
أطراف محور المقاومة واجهوا نتائج هذه الحرب، والحروب التي تلتها ضد لبنان وغزة وسوريا، ومنعوا المعتدين من الوصول إلى غاياتهم. غير أن دول المحور دعمت حركات المقاومة الشعبية المنضوية فيه للقيام بهذا الدور، من دون أن تصطدم مباشرة بالولايات المتحدة. ما يجري اليوم في الخليج مختلف من هذه الزاوية: إيران تقف وجهاً لوجه في مقابل الولايات المتحدة، وهو أمر لم تفعله دولة أخرى من دول الجنوب منذ نهاية الثنائية القطبية، ربما باستثناء كوريا الشمالية التي تمتلك أسلحة نووية وتتحدى في مواقفها وسلوكها أميركا، لكن من دون الصدام المباشر معها حتى الآن. هل كانت أي دولة من دول الجنوب، أو حتى من دول العالم، ستجرؤ على تحدي الولايات المتحدة بهذه الطريقة منذ عشر سنوات مثلاً؟ الجواب طبعاً بالسلب، بكل بساطة لأن الكثير من البلدان في تلك الفترة، بما فيها روسيا والصين، كانت لديها أسباب للقيام بذلك، لكنها أحجمت انطلاقاً من تقديرها لموازين القوى.
اختلفت الأوضاع اليوم، وعاد «التنافس بين القوى العظمى» كما يقول الخبراء الاستراتيجيون الأميركيون، نتيجة تراجع قوة واشنطن ونفوذها. وفي سياق ارتفاع حدة الصراع الأميركي ــــ الإيراني، يظهر السجال الذي أثاره مسلسل «غاندو» التلفزيوني الإيراني حول شخصية وزير الخارجية محمد جواد ظريف، وتقييم الدور الذي يؤديه في منصبه، ما دفعه إلى كتابة رسالة لمرشد الجمهورية الإسلامية يعبر فيها عن رغبته في الاستقالة، الاتجاه نحو المزيد من التشدد ضد واشنطن. «السياسة هي الناس»، كما يقول المثل الأميركي المعروف. لا شك في أن اختيار ظريف كوزير للخارجية، عندما كان باراك أوباما رئيساً لأميركا، جاء ليعكس إرادة التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني. الهجوم على ظريف، الذي قد يكون مرتبطاً أيضاً باعتبارات داخلية، يحمل في طياته رسالة واضحة إلى واشنطن مفادها أن زمن السعي الحثيث للتفاهم معها قد ولّى.