عاد مسلسل «غاندو» ليثير ضجة أوسع داخل الأوساط الإيرانية. فبعدما اقتصرت تعليقات المسؤولين الإيرانيين المؤيّدة والمعارضة لأحداث المسلسل على التصريحات الإعلامية، جاء الرد مختلفاً من وزير الخارجية، محمد جواد ظريف، عبر رسالة بعثها إلى المرشد علي خامنئي، عبّر فيها عن «تردده حيال الاستمرار في منصبه وزيراً لخارجية إيران»، معتبراً أن «العمل في وزارة الخارجية لا يجوز شرعاً»، خصوصاً في حال «إثبات صحة جزء من هذا التخريب»، على حد قوله.

رسالة ظريف تداولها الإعلام الإيراني نقلاً عن قناة «تلغرام» الخاصة بالصحافي الإيراني، محمد جواهري، قبل أن يؤكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، عباس موسوي، صحتها، ويشرح خلفياتها بالقول إن «هذا المسلسل سعى نحو إظهار وزير الخارجية كشخصية سلبية وغير فعالة ومستسلمة»، معرباً في الوقت ذاته عن قناعته بأن «دولة بحجم إيران إذا كان من المقرر أن يكون لديها مثل هذا الوزير الذي يصوّره هذا المسلسل، فإن بقاءنا وبقاء وزير الخارجية ووزارة الخارجية غير مسموح به». وأضاف موسوي، خلال المؤتمر الصحافي الأسبوعي لوزارته، أنه «من الناحية الشرعية يجب على وزير الخارجية أن يكون شخصاً يضع الكرامة والمنفعة والحكمة نصب عينيه، وأن يحظى بالقوة ليكون لسان حال هذه الأمة». ولم يغفل الناطق باسم الخارجية الإيرانية، أثناء حديثه، الإشارة إلى السبب الذي دفع ظريف إلى توجيه الرسالة إلى المرشد خامنئي مباشرة، فأوضح أن «هيئة الإذاعة والتلفزيون» من المؤسسات التي يُشرف عليها المرشد، «الأمر الذي يحتم توجيه الشكوى إليه».
خامنئي، من جهته، لم يغفل، بحسب تسريبات محمد جواهري، الشكوى القادمة إليه من رئيس الدبلوماسية، فأكد «عدم رضاه بالمطلق عن تلقي ظريف لأدنى إهانة». هذا الموقف المنقول عن خامنئي أكده موسوي، داعياً إلى «ضرورة استقباله بآذانٍ صاغية». لكن هذه الدعوة لا تزال عاجزة عن اختراق آذان المسؤولين عن بثّ هذا المسلسل، الذي بدأت القناة «الثالثة» الإيرانية عرضه منذ حزيران/ يونيو الماضي، حيث ظهر ظريف في أحداث المسلسل أنه شخصية مخترَقة، تميل إلى الغرب. في الوقت نفسه، خرجت وزارة الخارجية في المسلسل بصورة تشي بأنها جهاز يعمل ضد المؤسسات الأمنية والمصالح الوطنية للبلاد.

المسلسل نسف العديد من الروايات الرسمية الصادرة في مجموعة من الأحداث


هذه التفاصيل المتعلقة بالوزارة وبشخص الوزير، رفض ظريف التعليق عليها سابقاً، وبرر ذلك بالقول: «أنا لا أشاهد التلفاز عادة». لكن امتناع ظريف عن الإدلاء برأيه في المسلسل في حينه، لم يمنع آخرين من التعبير عن مواقفهم المختلفة تجاه الروايات الواردة فيه. فمدير مكتب رئيس الجمهورية، محمود واعظي، انتقد العمل، مشيراً إلى أنّ «80% من أحداثه محض خيال». ورأى كذلك أن المسلسل «يقدم صورة مشوهة عن وزارة الخارجية»، التي تقف في «مقدمة الحرب ضد العدو، مثلما تفعل وزارة الاستخبارات». ووضع واعظي المسلسل في إطار «المحاولات الهادفة إلى خلق تكتلات بين الحكومة والمجتمع»، الأمر الذي «يُعارض أوامر المرشد الأعلى للثورة الإسلامية»، ما يستدعي عقاباً حكومياً للقائمين على العمل، «لقاء الكذب والتشهير الذي قاموا به».
على المقلب الآخر، ردّ رئيس لجنة الأمن القومي البرلمانية، مجتبى ذي النور، على واعظي، متوقعاً أن تكون الـ«20% الواقعية الباقية من أحداث المسلسل الجزء الذي يغتاظ منه واعظي». بدوره، تحدث واضع سيناريو «غاندو»، مجتبى أميني، عن «واقعية أحداث المسلسل»، لافتاً إلى أن «جميع المعلومات الواردة فيه دقّقتها المراجع ذات الصلة»، لكن «كشف الحقيقة» يُعدّ «أمراً صعباً يجرّ البعض للشكوى»!
تجدر الإشارة إلى أن أسباب الجدل الدائرة في إيران حول «غاندو» لم تكن بسبب الصورة التي قدمها عن الطاقم الديبلوماسي الإيراني وحسب، بل إن المسلسل نسف العديد من الروايات الرسمية الصادرة في مجموعة من الأحداث الأمنية التي شهدتها إيران خلال السنوات الماضية. منها، على سبيل المثال، قضية الجاسوس الأميركي ــــ الإيراني، جيسون رضائيان، الذي أظهر العمل أنه على علاقة مع بعض مسؤولي الحكومة الإيرانية، إلى جانب كشفه عن بعض ملابسات إطلاق سراحه من إيران مقابل إفراج أميركا عن أموال إيرانية مجمّدة لديها تُقدّر بمليار و700 مليون دولار. كذلك، تضمن المسلسل في أحداثه اعترافات تشير إلى وقوف أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية، بالتعاون مع المعارضة الإيرانية في الخارج، خلف الانفجار الذي وقع داخل قاعدة «الغدير» الصاروخية شرقي طهران عام 2011، والذي أودى بحياة حسن طهراني مقدم، المعروف بـ«أبو البرنامج الصاروخي»، الأمر الذي يُناقض الرواية الرسمية الإيرانية التي قالت في حينه إن ما جرى «ناتج من حادث فني خلال عملية نقلٍ للعتاد في المعسكر»، نافيةً أن «يكون سبب الانفجار عمليات تخريبية أميركية».