لندن | لم يُضيع رئيس الوزراء البريطاني الجديد، بوريس جونسون، كثيراً من الوقت بعد تكليفه تشكيل الحكومة، حتى بدأ بإشعال الملفات التي وجدها على طاولة مكتبه في «10 دوانينغ ستريت» دفعة واحدة، سواء عبر اختياره فريق عمله ــــ صقور من أقصى اليمين ــــ، أو المناورات الكلامية التي شرع في إطلاقها، وواكبه فيها كبار وزرائه الجُدد.

كان الاتحاد الأوروبي، وكما هو متوقع، هدفاً تلقائياً لجونسون الذي كرر لازمته: «بريطانيا ستكون خارج الاتحاد بحلول 31 تشرين الأول/ أكتوبر، سواء باتفاق أم من دون اتفاق». قوبل موقفه بتعليقات متطابقة من قادة أوروبيين، اعتبروا فيها أن لغة الابتزاز التي يوظّفها رئيس الوزراء البريطاني لن تغيّر من موقف الكتلة الأوروبية. وترى الأخيرة أن مشروع الاتفاق الذي تم التفاوض عليه مع حكومة تيريزا ماي ــــ ورفضه البرلمان ــــ «هو أفضل اتفاق ممكن». يشير ذلك إلى ترجيج انتهاء المهلة بين الطرفين من دون اتفاق، وهو ما أكده وزير المالية الجديد، ساجد جاويد، حين أعلن أن وزارته تعمل راهناً على هذا الأساس. في هذه الأثناء، كانت الحكومة البريطانية تُبدي تصلّباً إزاء أزمة الناقلتين، إذ أعلنت عزمها على تنفيذ «القانون الدولي» وعدم الخضوع لما سمّته «قرصنة طهران»، رافضةً الإفراج عن الناقلة الإيرانية المحتجزة في جبل طارق. كذلك، أعلنت عن خططٍ عاجلة لإنشاء قوة بحرية ضخمة في الخليج بالتعاون مع الحلفاء، بهدف ضمان تدفق النفط عبر مضيق هرمز. من جهته، أكدّ وزير الخارجية البريطاني، دومينيك راب، أن لندن أطلقت استعدادات تشريعية وإجرائية ولوجستية لعودة الحكم البريطاني المباشر إلى إيرلندا الشمالية، في حال انقضاء مهلة «بريكست» من دون التوصل إلى اتفاق مع بروكسل. ويهدّد هذا، بالطبع، بإسقاط اتفاق الجمعة العظيمة الذي كان أساسياً، عبر سنوات، في تهدئة أعمال العنف، على رغم الخلافات الشديدة بين الحزبين الرئيسين في الإقليم من مؤيدي الوحدة ومعارضيها مع الجمهورية الإيرلندية. وقال راب إن حكومته «لن تسمح بحدوث فراغ في بلفاست»، ولا سيما أن البرلمان الجهوي فيها معلّق منذ عام 2017. وقد سمّمت تلك التعليقات الأجواء على جانبي الجزيرة الإيرلندية، ودفعت رئيس الوزراء الإيرلندي، ليو فارادكار، إلى التشكيك في قدرة حكومة «المحافظين» الجديدة على إدارة العلاقات بنزاهة، بين طرفي النزاع في شمالي إيرلندا، بحكم اعتمادها المطلق على غالبية برلمانية تقوم على التحالف مع أحد هذين الطرفين (حزب «الديمقراطيين الوحدويين»).

شهدت غلاسكو وإدنبرة تظاهرتين معاديتين لجونسون وحكومته


جونسون نفسه توجّه، يوم أمس، إلى غلاسكو، بعدما تلقّى رسالة من الوزيرة الأولى في اسكتلندا، نيكولا ستورجن، تدعوه فيها إلى فتح نقاش في شأن ترتيب إجراء استفتاء جديد على استقلال بلادها عن المملكة المتحدة. وقد وجّه الرئيس العتيد ما يشبه الإهانة إلى مضيفيه، عندما عرض عليها رشوة بقيمة 300 مليون جنيه إسترليني، بغرض تمتين العلاقات بين إدنبرة ولندن، ليتبين لاحقاً أن المبلغ أقلّ من الـ400 مليون التي تتفاوض عليها العاصمتان، كجزءٍ من الموازنة. وبينما شهدت غلاسكو وإدنبرة تظاهرتين معاديتين لجونسون وحكومته قادها «الاستقلاليون الراديكاليون»، انتقل الرجل إلى زيارة قاعدة فاسلين العسكرية النووية، التي يعتبرها معظم الاسكتلنديين رمزاً يجسّد الهيمنة الإنكليزية على بلادهم.
ولم يقتصر اشتعال الملفات على العواصم الكبرى، بل إن إقليم ويلز الهادئ الذي كادت الحركة الاستقلالية فيه تخمد بعد عقود طويلة من التعايش مع لندن، عاد مجدداً إلى نشرات الأخبار فور تكليف جونسون وإعلانه مواقف متصلبة في شأن «بريكست»، إذ شهدت كارديف، عاصمة الإقليم، نهاية الأسبوع الماضي، أكبر تظاهرة لدعاة الاستقلال منذ سنوات طويلة. ويتحدّث مراقبون عن تصاعد التأييد للاستقلال بين الويلزيين من 10% قبل استفتاء «بريكست» (2016)، إلى أكثر من 40% حالياً.
ليس جونسون مشهوراً بالحصافة أو بالقدرة على تعاطي التفكير الاستراتيجي. لكن أن يُقْدم رئيس جديد مثله ــــ معلّق على غالبية هشّة في برلمان شديد الاستقطاب ــــ على فتح ست أو سبع جبهات استراتيجية في وقت واحد، وهو لا يمتلك أوراقاً قوية في أيٍّ منها، لا بدّ أن يشير إلى شيء أبعد من مجرد الحماقة المعهودة عنه، إذ إن الرجل الذي يحلم بلعب دور تشرشل معاصر، يراهن على تصعيد حاد وسريع لشعبيته بين جمهور اليمين المؤيد لـ«بريكست»، ربّما استعداداً لدعوة قريبة إلى انتخابات عامة مبكرة تمكّنه، حال استطاع الفوز فيها، من الاحتفاظ بمنصبه رئيساً للوزراء لخمس سنوات قادمة قابلة للتمديد، من دون منافسة من أحد. بالنسبة إلى جونسون، فإن حزب «العمال» يبدو منهكاً بسبب عدم وضوح سياسته في شأن «بريكست»، وأيضاً نتيجة الحرب الأهلية الضارية الجارية بين طاقم كوربن ويمين الحزب من أتباع رئيس الوزراء السابق توني بلير، بينما تشير استطلاعات الرأي إلى استعادة «المحافظين» تدريجياً شعبيتهم، بعدما وصلت إلى أدنى مستوياتها خلال انتخابات البرلمان الأوروبي في أيار/ مايو الماضي، وذلك منذ تولّى جونسون السلطة تحديداً، ودائماً على حساب تيار اليمين المتطرف الذي يقوده نايجل فاراج وحزب «بريكست». وبضمان تأييد الليبراليين الأحرار أيضاً، المنحازين موضوعياً وأيديولوجياً إلى اليمين، فإن احتمالات فوزه تبدو مرجّحة نظرياً، شريطة ألا تقع أي كوارث كبرى قبل موعد الاقتراع. وهذا سيمكّن جونسون، عندها، من أن يحكم منفرداً وبشرعية تمثيلية تامة تقوّي موقفه في القضية الأخطر التي تواجه المملكة المتحدة، أي قضية «بريكست»، بينما تمنحه مساحة مريحة ليماطل على بقية الجبهات، على قاعدة شراء الوقت وتمييع القضايا.
حزب «العمال» يبدو مدركاً لهذه الحسابات «الجونسونية»، وعلى أتم الاستعداد للتعامل معها حزبياً. وبدا جيريمي كوربن مرتاحاً للغاية وهو يصف الجاهزية العالية لكوادره في ما يتعلق بإدارة المعركة الانتخابية، في الوقت الذي بدا فيه أن موقف «العمال» يقترب رويداً رويداً من تأييد صريح لإجراء استفتاء جديد على «بريكست»، مدعوماً بتأييد حاسم من «الحزب القومي الاسكتلندي» و«الخضر»، وحتى متمرّدين من اليمين لا يحبّذون فكرة ترك عضوية الاتحاد الأوروبي، أقلّه بصيغة عدم الاتفاق التي يروّج لها جونسون وفريقه.
إذاً، في لندن أجواء حرب مفتعلة على جميع الجبهات، تستهدف بناء شعبية قصيرة المدى قد تسمح بتحقيق الحلم الشخصي لجونسون بتولي المنصب التنفيذي الأهم في البلاد لفترة انتخابية كاملة، وربما حتى التمديد لاحقاً. حلمٌ قد لا يكون مستحيلاً في أجواء الاستقطاب الشديد التي تعيشها المملكة، لكن سقوط أيّ من هذه الكرات المشتعلة من يد «المهرّج» سيكون كافياً لإحراق خيمة «السيرك» البريطاني بأجمعها، وتلك مراهنة لا يقوم بها إلا مقامر أهوج، مثل جونسون.