لا يُقدّر أن تحمل الانتخابات العامة الإسرائيلية بنسختها الثانية، المقرر إجراؤها في 17 أيلول/ سبتمبر المقبل، الكثير من المفاجآت، حتى إن كانت تشهد دخول وافدين جدد للمنافسة على مقاعد الكنيست، سواء لدى اليمين أو الوسط وتلويناتهما، أو لدى اليسار الذي كاد أن يسقط بالضربة القاضية، في انتخابات نيسان/ أبريل الماضي.

مع ذلك، يبدو أن معيار تصنيف الأحزاب واللوائح الائتلافية في الانتخابات السابقة، التي غلب عليها الموقف من رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، تأييداً أو خصومة، سيكون أيضاً المعيار الحاكم للأحزاب والائتلافات في الانتخابات المقبلة، على نحو يكاد يوازي الصراع القائم على الهوية السياسية بين اليمين واليسار. في موازاة ذلك، سيحكم هذا الصراع أيضاً، وإن لم يكن قد تبلور إلى الآن، تجاذباً من نوع آخر لدى الوسط واليسار، حول الشخصية التي ستوكل إليها مهمة تشكيل الحكومة في حال سقوط نتنياهو قضائياً، وهو غير مرجح، أو إذا تعذّر عليه تشكيل الحكومة، في حال جاءت النتائج في مصلحة تكليفه.
فمن جهة، ينافس رئيس حزب «أزرق ــــ أبيض» (الائتلافي)، بيني غانتس، المتموضع في وسط الحلبة السياسية، بوصفه منافساً أول لنتنياهو، وإلى جانبه شريكه والرقم الثاني في التوليفة الائتلافية، رئيس حزب «يش عتيد»، يائير لابيد، الذي يطمح بدوره إلى رئاسة الحكومة، رغم محافظته إلى الآن على شراكته مع غانتس، من غير استبعاد احتمال انشقاقه عنه وائتلافه مع آخرين، وذلك من الآن حتى موعد الانتخابات. يضاف إلى الاثنين الوافد الجديد ـــ القديم على المشهد الانتخابي في إسرائيل، رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، إيهود باراك، الذي يخوض الانتخابات المقبلة على رأس حزب «إسرائيل ديموقراطية» الذي شكله حديثاً لخوض الانتخابات، والذي يضم عدداً من الجنرالات البارزين. وباراك يشدد على أن المكلّف تشكيل الحكومة المقبلة يجب أن يكون قادراً على تشكيلها فعلاً، دون أي علاقة بعدد المقاعد التي يفوز بها في الكنيست، وهو يمهد في ذلك إلى تكليفه على خلفية التوقع ألا يزيد عدد مقاعد حزبه على أربعة من أصل 120.

لدى الكتلة اليسارية صراع بقاء يقوده «العمل» الذي سيأتلف مع «ميرتس»


لدى الكتلة اليسارية أيضاً صراع بقاء يقوده حزب «العمل» الذي بات من المسلّم أنه سيأتلف مع «ميرتس»، لأن الحزبين مهددان بالسقوط في حال عدم تحالفهما في لائحة واحدة. والواضح أن الجمهور الإسرائيلي لا يزال يعاقب «العمل» على خلفية تحميله فشل المسيرة السياسية مع الجانب الفلسطيني، إضافة إلى توقيع اتفاقات أوسلو التي يتّهمه اليمين جراءها بأنه جلب «الإرهاب إلى البيت ــــ (إسرائيل)»، وأنه تسبب كذلك في الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي لم تنتهِ تداعياتها إلى الآن. فهل يؤخر الائتلاف مع «ميرتس» نهاية «العمل» وسقوطه نهائياً؟
إن كان موعد الانتخابات المقبلة قد تحدد في منتصف أيلول/ سبتمبر المقبل، فإن استطلاعات الرأي التي يُعمل على إصدارها تباعاً منذ حلّ الكنيست الحالي وإعلان إجراء انتخابات مبكرة لا تعطي أرجحية لأيّ من الكتلتين المتنافستين على المقاعد، أي اليمينية التي تؤكد معظم مركباتها من أحزاب دينية ويمينية ويمينية متطرفة أنها ستسمي نتنياهو رئيساً للحكومة المقبلة، مقابل الكتلة الثانية المشكّلة من الوسط واليسار (وتسامحاً من فلسطينيي 1948) التي لم تنهِ تشكيلاتها بعد، وقد تشهد عمليات «ضم وفرز» لأحزاب وائتلافات فيها، ما يعني أن القوائم المقبلة ستشهد تغييراً واسعاً قياساً بقوائم الانتخابات الماضية.
البارز في الانتخابات المقبلة هو الصوت العربي. ففي حال نجحت الأحزاب العربية هذه المرة في تجاوز خلافاتها التي حرمتها عدداً من المقاعد (بعدما عمدت قياداتها إلى التفرّق والانقسام على كتلتين، ما دفع فلسطينيي الـ 48، من ضمن أسباب وعوامل أخرى، إلى معاقبتها بتقليص الإقبال على صناديق الاقتراع)، ستنال 11 مقعداً بحسب استطلاعات الرأي. لكن كما هو معلوم: مقاعد فلسطينيي 1948 هي لزوم ما لا يلزم من جهة اللعبة السياسية الإسرائيلية وتأثيرهم الفعلي فيها، إذ إن هذه المقاعد تكاد تكون معزولة وتتحرك خارج دائرة التأثير، فلا اليمين يأتلف معها بطبيعة الحال، ولا الوسط واليسار يأتلف أيضاً، خوفاً من «العار» الذي يلحق به لدى الرأي العام، وخاصة أن مصطلح اليسار نفسه في إسرائيل بات وصمة عار بذاتها، مع انزياح أو انتقال النسبة الكبرى من الإسرائيليين إلى تبني الطروحات اليمينية والتطرف.
في المشهد العام للانتخابات المقبلة، يبرز في الكتلة اليمينية شبه ثبات في عدد مقاعد الأحزاب الدينية التي تصنف في معظمها في كتلة اليمين. لكن حزب «إسرائيل بيتنا»، برئاسة وزير الأمن السابق أفيغدور ليبرمان، لا يمكن الجزم في أن حزبه سيتجه حتماً إلى تأييد نتنياهو في أعقاب الانتخابات المقبلة، بعدما لمح في أكثر من مناسبة إلى أن تصويته لن يكون مضموناً لأحد، في إشارة منه إلى إمكان الائتلاف مع الوسط الإسرائيلي إن جرى تكليف الأخير تشكيل الحكومة. مع ذلك، المؤكد أن ليبرمان وحزبه الرابح الأكبر نتيجة حلّ الكنيست، إذ تكاد تستقر استطلاعات الرأي على أنه سيضاعف عدد مقاعده، ما يؤكد صوابية الرهان على مناورته السياسية في وجه الأحزاب الدينية، وفي وجه نتنياهو أيضاً، وتسببه في منع تشكيل الحكومة الماضية.
على هذه الخلفية، ومع العدد الكبير من المقاعد التي يقدر أن يفوز بها ليبرمان في الانتخابات المقبلة قياساً بالماضية، يمكن الترجيح أن لا حكومة يمينية من دون «إسرائيل بيتنا»، ما يعني أنه سيملك مفاتيح تشكيل الحكومة المقبلة مثلما كان عليه الأمر في الانتخابات الماضية، فهل سيواجه نتنياهو في حال تكليفه المشكلات نفسها التي حالت دون تشكيل الحكومة، وهل يتعذر عليه في المحصلة تشكيلها؟ وهل الطبعة الثانية لانتخابات إسرائيل 2019 هي نفسها أو ما يقرب من الطبعة الأولى للانتخابات؟



لا حكومة يمين دون ليبرمان


أظهرت نتائج استطلاع لرأي نشرته القناة الـ 12 العبرية أنه لو أجريت الانتخابات الآن، لفاز حزب «الليكود» بـ 31 مقعداً في الكنيست، و«أزرق ــــ أبيض» بـ 30. ويظهر الاستطلاع فوز معسكر اليمين دون حزب «إسرائيل بيتنا» بـ 55 مقعداً، ما يعني تعذّر تشكيل الحكومة المقبلة من اليمين، دون أفيغدور ليبرمان. من جهة أخرى، تفوز «القائمة العربية المشتركة» بـ 11 مقعداً، و«إسرائيل بيتنا» بـ 10، و«يهودوت هاتوراه» (الحريديم الأشكناز) بـ 8، و«العمل» بـ 6، و«اليمين الجديد» بـ 5، إضافة إلى 4 مقاعد لكل من: اتحاد أحزاب اليمين، «ميرتس» و«إسرائيل ديموقراطية».