لم تكن تنقص الصين، في ظلّ التوترات القائمة مع الولايات المتحدة، سوى موجة غضب داخلية عارمة. على امتداد الأسبوع الماضي، خرجت في هونغ كونغ تظاهرات هي الأضخم منذ عام 1997، تاريخ عودة المستعمرة البريطانية السابقة أرضاً صينية، وتركّزت حول التعديلات التي أُدخلت على مشروع قانون يخوّل سلطات الإقليم تسليم المجرمين والمتهمين المطلوبين إلى برّ الصين الرئيسي. وعلى الرغم من أن العقدين الماضيين شهدا احتجاجات كبيرة في هونغ كونغ، آخرها في عام 2014، إلا أن نطاق التظاهرات المتواصلة واتساعها يعكسان جملة مفارقات ومخاوف، أولاً لدى كتلة وازنة من سكان الإقليم ترى في مشروع القانون خطوة أولى هدفها تعزيز القبضة الصينية والحدّ من الامتيازات وهامش الحريات الممنوح لها بموجب الحكم شبه الذاتي، وثانياً لدى الصين التي تنسب إلى «قوى خارجية» ما يحدث في الإقليم التابع لها استناداً إلى جملة مؤشّرات، أبرزها إثارة قضية حقوق الإنسان في هونغ كونغ.

إذاً، لا يمكن عزل التطورات في هونغ كونغ عن التوتر الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة. فاستعار التوتر هذا، والذي تُعتبر الحرب التجارية أحد تجلّياته، هو السبب في سعي الصين إلى تعزيز سيطرتها على أراضيها، خشية أن يتحوّل الإقليم إلى أداة أخرى من أدوات الضغط والمواجهة (سدّ أيّ ثغرة يمكن أميركا النفاذ منها، أو استغلال التوتر مع واشنطن لتعزيز سيطرتها هذه، وخصوصاً في ظلّ وجود كتل وافقت على الوحدة في إطار ما يعرف بـ«دولة واحدة ونظامان»، تعتبر أن مشروع القانون يسعى في جوهره إلى قضم الحريات، ويهدف إلى تجويف التباين/ التمايز بين الصين وهونغ كونغ). المواجهة المعلَنة بين القوتين الكبريين، وإن أخذت شكلاً أكثر وضوحاً في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلا أنها بدأت عملياً حين أعلن الرئيس السابق، باراك أوباما، خطته للاستدارة نحو آسيا، حيث مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية أكبر وأعمق.

المشروع معلّق
مع مرور الأسبوع الأول على خروج تظاهرات، شارك فيها مئات الآلاف، حاولت هونغ كونغ سحب فتيل التوتر. إذ أقدمت على تعليق مشروع القانون «إلى أجل غير مسمّى»، «استجابة للرفض الشعبي الواسع». لكن الشارع الغاضب لاقى خطوة التهدئة الحكومية بمزيد من المطالب، معتبراً أن تعليق المشروع ليس كافياً، وأنه ينبغي سحبه واستقالة الرئيسة التنفيذية كاري لام، على رغم اعتذارها عن الأسلوب الذي أدارت به الأزمة. مشروع القانون، الذي يسمح بتسليم أشخاص إلى أي جهة لا معاهدة مسبقة معها في هذا الصدد، مثل تايوان وماكاو وبرّ الصين الرئيسي، ترى فيه الحكومة ضرورة لسدّ الثغَر في القانون الحالي، ووضع حدّ لاستخدام المدينة كملجأ أساسي للهاربين من البر الرئيسي.

سيثير ترامب قضية حقوق الإنسان في هونغ كونغ مع نظيره الصيني


في الظاهر، بدا أن محور الاحتجاجات ضيق وفني. لكن بالنسبة إلى هونغ كونغ، فإن قانوناً كهذا قد يكون كارثياً،و خصوصاً أن هناك جسراً هشّاً بين دولة الحزب الواحد وإقليم يتمتع بامتيازات وهامش حريات غير موجودة في الصين القارية. وتعدّ هونغ كونغ مقراً إقليمياً لأكثر من 1300 شركة عالمية، ترى فيها بوابة للسوق الصينية الضخمة ومركزاً للقارة الآسيوية. وبفضل بر الصين الرئيسي، يحتل الإقليم المركز الثامن عالمياً لجهة تصدير السلع، وهو رابع أكبر سوق للأوراق المالية في العالم. ومع ذلك، فإن نظامه المصرفي الضخم مرتبط بالغرب، وعملته مرتبطة بالدولار.

واشنطن و«حقوق الإنسان»
في الأول من تموز/ يوليو 1997، قال تونغ تشي هوا، الرئيس التنفيذي الأول لهونغ كونغ: «للمرة الأولى في التاريخ، سنكون، نحن شعب هونغ كونغ، أسيادَ مصيرنا». كانت تلك هي اللحظة التي أُعيدت فيها المستعمرة البريطانية ــــ سابقاً ــــ إلى الصين، في إطار ما يعرف بـ«دولة واحدة ونظامان»، على أن تكون «منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة جزءاً لا يتجزأ من جمهورية الصين الشعبية»، وفق المادة الأولى من «القانون الأساسي». والمنطقة، التي تدير شؤونها الداخلية باستقلالية، تتبع الصين في السياسات الخارجية والدفاعية.
بالنسبة إلى الصين، التي تبنّت سردية «القوى الأجنبية»، ناسبةً إليها الاضطرابات الحاصلة في هونغ كونغ، فإن الوحدة مسألة أمن قومي. إذ يحرص «الحزب الشيوعي الصيني» على الحفاظ على أحد أهم الإنجازات التي حققها ــــ أي وحدة الصين ــــ، وهو لا يخفي مساعيه لأن يكون هناك دمجٌ كامل بين الصين والإقليم. الموقف الصيني هذا عزّزته جملة مؤشرات، لعلّ أبرزها «القلق الشديد» الذي أبدته كل من واشنطن والاتحاد الأوروبي حيال مشروع القانون الذي قد «يقوّض» وضع الحكم الذاتي لهونغ كونغ، و«قد تكون له عواقب سلبية على التقليد الراسخ فيها بحماية حقوق الإنسان»، فضلاً عن اللقاءات التي جمعت معارضين من هونغ كونغ مع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، ورئيسة مجلس النواب الديموقراطية نانسي بيلوسي.
رداً على «قلق» واشنطن، طالبت بكين «بأن يكون الجانب الأميركي حذراً، ويكفّ عن التدخل في شؤون هونغ كونغ الداخلية، التي تعود بشكل حصري للشؤون الداخلية الصينية»، مندّدةً في الوقت ذاته بتدخل الاتحاد الأوروبي، بعدما دعا الأخير إلى «احترام حقوق المتظاهرين». لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك الحد، إذ أعاد أعضاء في مجلسَي النواب والشيوخ الأميركيين طرح مشروع قانون «حقوق الإنسان والديموقراطية في هونغ كونغ»، في خطوة تهدّد بإلغاء الوضعية الخاصة للإقليم كشريك تجاري للولايات المتحدة. في الإطار ذاته، أعلن بومبيو، الأحد، أن الرئيس الأميركي سيثير قضية «حقوق الإنسان» في هونغ كونغ مع نظيره الصيني شي جين بينغ، في اجتماع يمكن أن يعقد بينهما على هامش «قمة العشرين» التي ستعقد في اليابان هذا الشهر.