حتى ليل أمس، بدت مواقف واشنطن، وهي تعكف على تحضير ردّها، أقل من توقّعات الرؤوس الحامية في المنطقة ومحكومة بضيق الخيارات. ولئن ينذر تبنّي الإدارة الأميركية إن حصل للمعلومات حول محاولة إيرانية لقصف طائرة أميركية قبيل هجوم خليج عُمان، بتصعيد أبعد في خطورته من ضرب ناقلتَي نفط، فإن عودة الهدوء إلى الإقليم ما بعد هجوم خليج عمان تبدو مهمّة مستحيلة.

خمدت الحرائق في «فرنت ألتير»، فيما عمليات تبريدها «مستمرّة والناقلة مستقرّة» وفق ما أفادت به شركة «فرنتلاين» النرويجية. لكن الحال في الإقليم بعد عملية خليج عمان ليست مشابهةً البتّة لمصير إحدى ناقلتي النفط العملاقتين المستهدفتين. عملية لم تكن الأولى وربما لن تكون الأخيرة، منذ استعار الاشتباك بين الولايات المتحدة وإيران، لكن لا شك في أنها كانت الأخطر بين المحطات الأمنية الممزوجة برسائل سياسية والمفتوحة على غابة من الاحتمالات والتأويلات. أياً يكن مدبّر عملية خليج عمان، فإنه نجح في إحالة المشهد الإقليمي إلى لعبة أشد خطورة لم يعد ممكناً الإمساك بقواعد مضبوطة لها بكل بساطة. تحرص طهران على نفي الاتهامات المرفقة أميركياً هذه المرة بأدلّة شكّك فيها كثيرون، على رغم أن الإيرانيين لا يتناهون عن الاستفادة من واقع الاهتزاز الأمني للضغط باتجاه تراجع الأميركيين الذين تحمّلهم طهران مسؤولية تفجير الأوضاع من خلال «الحرب الاقتصادية»، وصوب التهدئة إقليمياً عبر فصل المسارين الخليجي والأميركي من بوابة مبادرة توقيع معاهدة «عدم اعتداء» بين ضفتَي الخليج، يبدو واضحاً أن الرياض ليست في صدد الاستجابة لها. النأي الإيراني الرسمي عن المسؤولية وراء سلسلة العمليات الأمنية لا يقنع خصوم طهران، وكذلك بعض أصدقائها، مِمَن يرى المبرّر لردّ الفعل الإيراني الناجع، في وقت لا يتوقّع فيه أحد تبني أنشطة مماثلة بطبيعة الحال، رغم كثرة القائلين، سواء في طهران أو واشنطن، بالانعكاس السلبي لهذه الأعمال على مصالح إيران في مفاوضاتها مع الأوروبيين، وفرضية علاقة المتحمّسين (تل أبيب والرياض وصقور الإدارة بقيادة جون بولتون) لخوض الولايات المتحدة مواجهة عسكرية لا ترغب فيها إدارتها في الوقت الحالي.
لكن، وفي حال ضلوع طهران في الهجمات، فإن الأخيرة تكون قد حقّقت جملة أهداف، ليس بينها إعطاء الذرائع للحرب وإشعال فتيلها كما يروّج البعض، إنما على العكس تماماً، إفهام الجميع أن الحرب ستكون مكلفة وصعبة، ابتداء من الأثمان الاقتصادية لها، وصولاً إلى النتائج العسكرية والأمنية والسياسية. وبالعوائد المباشرة في سياق ما أطلق عليه المرشد علي خامنئي مرحلة «حرب الإرادات»، فإن العمليات في الخليج ترسّخ ضريبة مقابلة لآثار العقوبات، بدأت تتّضح من خلال رفع أسعار النفط، التي يتوقّع البعض أن تستمرّ في الصعود رغم إعلان الرياض أمس أنها ملتزمة رفع إنتاجها استجابة للطلب الأميركي بتعويض إمدادات الطاقة الإيرانية حتى لا ترتفع الأسعار. وعدم ارتفاع الأسعار كان أمراً متوقّعاً قبل الاضطراب الأمني نتيجة قدرة السعودية على زيادة الإنتاج، في وقت لا ترضى فيه إيران بأن يكون حصارها بلا ثمن. ورغم عدم تلمّس الأسواق ارتفاعاً جنونياً في الأسعار، ثمة مؤشرات أولية على تأثيرات محتملة قادمة، كإعلان شركات التأمين البحري أمس رفع تكاليفها على السفن التي تمرّ عبر المنطقة (يعبر منها 30 % من الخام المنقول بحراً) بنسبة 10 % على الأقل قابلة للارتفاع في ظلّ الاضطرابات التي لم يشعر بها هذا القطاع منذ عام 2003.

«سي أن أن»: طائرة أميركية تعرّضت قبيل الهجوم لقصف إيراني بصاروخ أرض جو


وأمس، انقسمت ردات الفعل تجاه ضرب الناقلتين العملاقتين، بين مواكب لواشنطن في اتهامها لطهران، كالسعودية وبريطانيا، وآخر متريّث، كالكويت وألمانيا، لكن يبقى الأهم رد الفعل الأميركي في مقبل الأيام.
لم تؤكد الولايات المتحدة أو تنفي بعد ما نقلته شبكة «سي أن أن» عن مصدر أميركي «رسمي» من أن طائرة أميركية بلا طيار تعرّضت قبيل هجوم خليج عمان لقصف إيراني بصاروخ أرض جو أخطأها، بعدما لاحظت الطائرة الزوارق العسكرية الإيرانية تقترب من الناقلتين. ولئن أوحى نشر الجيش الأميركي سريعاً فيديو التقطته طائرة تابعة له لما قال إنه عملية نزع لغم لم ينفجر عن إحدى السفينتين من قِبَل قارب إيراني، بأن الأميركيين عازمون على التصعيد هذه المرة، فإن مواقف الرئيس دونالد ترامب لم تشِ بتوجّه مماثل. تصريحات الأخير بدت متمهّلة، ولم تشر إلى خيار واضح، مع قول ترامب رداً على سؤال حول كيفية التعامل مع إيران ومنع تكرار مثل تلك الحوادث: «سنرى ما سيحدث»، رغم اتهامه طهران بالهجوم وقوله: «إيران فعلتها... أعتقد أنهم لم يريدوا الدليل الذي تركوه خلفهم»، في إشارة إلى فيديو الجيش الأميركي. وحول احتمال إغلاق الإيرانيين مضيق هرمز، علّق الرئيس الأميركي بالقول: «لن يغلقوه. لن يتم إغلاقه. لن يتم إغلاقه لفترة طويلة». كما أن ترامب، وبعدما استبعد في تغريدة رداً على موقف المرشد الإيراني من الوساطة اليابانية، إمكانية عقد «صفقة» جديدة مع إيران، قال أمس لشبكة «فوكس نيوز»: «نريد أن نعيدهم إلى طاولة التفاوض... أنا مستعد عندما يكونون مستعدين... لست في عجلة».
ما يفسّر ضبابية مواقف ترامب هو انتظاره للتقييم الذي يجريه أركان إدارته، ومداولاتهم لتقديم خيارات الرد. في هذا الإطار، برزت مواقف وزير الدفاع بالوكالة، باتريك شاناهان، الذي قال إن «الوضع في الخليج مسؤولية دولية، ونعوّل على الدبلوماسية كوسيلة لخفض التوتر». وبلهجة تنطوي على عدم الالتزام برد فعل واسع، أوضح أن «ما نركّز عليه أنا و(مستشار الأمن القومي) السفير جون بولتون و(وزير الخارجية) مايك بومبيو هو بناء إجماع دولي بشأن هذه المشكلة الدولية». بموازاة رد الفعل الدبلوماسي الذي تنتظره طهران بعد عملية التحشيد التي يعدّها الأميركيون، ثمة معلومات عن تداول آليات عمل جديدة في المنطقة، تهدف إلى الحيلولة دون تكرار مثل هذه الحوادث. ونقلت «رويترز»، أمس، عن مسؤولين أميركيين أن مثل هذه الإجراءات يجري تداولها مع «الحلفاء»، وقد يكون بينها «نظام مرافقة» يقوم على تسيير حراسات للسفن التجارية تتولاها سفن حربية.



«جسم طائر» أصاب إحدى الناقلتين!
لم تتضح بعد كيفية استهداف ناقلتَي النفط العملاقتين في خليج عُمان أول من أمس. وفيما سرت في البداية رواية عن هجوم بطوربيد، ومن ثم قالت مصادر البنتاغون إن الهجوم تم بألغام لاصقة، زادت رواية جديدة للشركة المالكة لإحدى السفن من تضارب المعلومات. وأفادت شركة «كوكوكا سانجيو» اليابانية، مشغلة الناقلة «كوكوكا كاريدغس»، بأن جسمين طائرين ألحقا أضراراً بالناقلة. وأوضح رئيس الشركة، يوتاكا كاتادا، أن «الطاقم أبلغنا أن جسماً طائراً اقترب من السفينة وأنهم وجدوا ثقباً... شاهد بعض أفراد الطاقم الضربة الثانية». وتطرّق إلى هوية ناقلة النفط التابعة للشركة، مشيراً إلى أنه لا يعتقد أن الناقلة استهدفت لأنها مملوكة لشركة يابانية، وقال: «ما لم يكن هناك فحص مدقق للغاية، يصعب معرفة أن الناقلة يشغلها أو يملكها يابانيون».
وأمس، عرض التلفزيون الإيراني لقطات ظهر فيها طاقم «فرنت ألتير» (23 شخصاً) في إيران. في غضون ذلك، أعلنت السلطات الإيرانية أنها كلفت خبراء بتقييم ما إذا كان أفراد الطاقم الذين تم إنقاذهم يمكن أن يعودوا إلى الناقلة التي يعملون عليها.
(رويترز)