لا تزال التجاذبات السياسية في الكيان الإسرائيلي حول تأليف الحكومة المقبلة متواصلة. ومع اقتراب موعد الحسم يوم الأربعاء المقبل، يحتدم الكباش الحزبي، متراوحاً بين اندراجه في إطار مناورات اللحظة الأخيرة التي تسبق الاتفاق، أو كونه دفعاً لإسقاط الرئيس المكلّف بنيامين نتنياهو، أو سعياً لإجراء انتخابات مبكرة. في هذا الإطار، لا تزال الأطراف المتنافسة تتبادل الاتهامات حول السعي إلى إسقاط نتنياهو وحكومة اليمين، وفي المقابل الخضوع لابتزاز الأحزاب «الحريدية».

وازدادت حدّة التوتر بعدما فشل نتنياهو في استدراج تأييد رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، في أعقاب الاتفاق المبدئي معه على تولّيه حقيبة الأمن. ويتمحور جزء من الخلاف الرئيس بين الطرفين حول موقف ليبرمان من قانون تجنيد «الحريديم» في الجيش، والذي يشكل أحد تفرعات قضايا الدين والدولة في إسرائيل. ويحاول ليبرمان استغلال ضغط الوقت الذي يواجهه نتنياهو؛ إذ إن عليه تأليف حكومته والإعلان عنها يوم الأربعاء المقبل، وإلا يعيد التفويض إلى رئيس الدولة، الذي يفترض أن يجري مشاورات نيابية من أجل تكليف عضو كنيست آخر، أو قطع الطريق على هذا المسار عبر إجراء انتخابات مبكرة.
وينطلق ليبرمان في موقفه من فكرة أن أي مطلب لا يتم تحقيقه الآن، لن يستطيع تحقيقه لاحقاً في هذه الحكومة التي تستند إلى أغلبية نيابية، من ضمنها 16 مقعداً للأحزاب «الحريدية»، وهو ما يمنح الأخيرة قدرة أكبر على الابتزاز. في المقابل، ترى الأحزاب «الحريدية» أنها تتمتع الآن بقوة نيابية تُمكّنها من الذهاب حتى النهاية في تحصين موقفها من التجنّد في الجيش، وهي فرصة ينبغي عدم تفويتها. ومن هذا المنطلق، تصرّ على موقفها من قانون التجنيد. وفي سياق الرسائل المتبادلة، رأى رئيس حزب «يهدوت هتوراة»، يعكوف ليتسمان، أنه لا يخشى من الانتخابات. فيما توجّه ليبرمان إلى أعضاء حزب «الليكود» بالقول: «توقّفوا عن الكذب ومرّروا قانون التجنيد»، لكنه عاد ووجّه رسالة عبر «فيسبوك»، تنطوي على قبول ضمني بامتناع «الحريديّين» عن التصويت لمصلحة «قانون التجنيد» بالصيغة التي يصرّ عليها، ما قد يشير إلى حلحلة في الأزمة.

يتطلّب حلّ الكنيست تأييد أغلبية 61 من أعضائه


بين هذين الحدّين، يتحرك نتنياهو للضغط على الأطراف جميعها، عبر التلويح بالانتخابات المبكرة. ويهدف من وراء ذلك إلى قطع الطريق على تفويض شخصية أخرى بديلة منه، سواء من داخل «الليكود» أو خارجه؛ لأن فشله في هذه المهمة لن تقتصر تداعياته على عدم تأليفه للحكومة، إنما قد تكون مصيرية بالنسبة إليه على المستويين السياسي والشخصي، وخاصة أنه يواجه خطر الزجّ به في السجن إن تمت محاكمته. في هذه الأجواء، هدّد نتنياهو، خلال اجتماع عقده لوزراء حزب «الليكود»، بتقديم قانون لحلّ الكنيست يوم الأربعاء المقبل، إن لم تُحلّ أزمة تشكيل ائتلافه الحكومي، قبل أن ينطلق وزراؤه في بثّ أجواء انتخابية، في ما قد يكون الهدف منه ممارسة الضغوط على الأطراف المختلفة، وتحديداً «يهدوت هتوارة» و«إسرائيل بيتنا». لكن، في حال تحقّق سيناريو الانتخابات المبكرة، فإن المتضرّر الأكبر في هذه الحالة سيكون الأحزاب «الحريدية»، وخاصة أنها خرجت من الانتخابات الأخيرة بانتصار مدوٍّ مكّنها من نيل 16 مقعداً، فيما سيبدو ليبرمان كقائد يحمل راية العلمانيين المتذمرين من الخضوع الدائم لمطالب «الحريديم».
مع ذلك، أشار نتنياهو إلى أن «الحريديم» «تقدّموا بـ 90٪ باتجاه موقف رئيس حزب إسرائيل بيتنا، أفيغدور ليبرمان، في ما يتعلّق بقانون التجنيد»، مضيفاً إن المتبقي هو «من الذي سيُحدِّد عدد الحريديم المجنّدين، الحزب أو الكنيست». وهنا، هدّد بأنه «إن لم تُحلّ الأزمة، فإننا سنقدم قانون حلّ الكنيست بالقراءات الثلاث يوم الأربعاء المقبل». وشنّ هجوماً على ليبرمان، قائلًا إنه «يبحث عن كل الذرائع من أجل إسقاطي». ويتطلّب حلّ الكنيست تأييد أغلبية 61 عضواً من أعضائه، ومن غير الواضح ما إذا كان نتنياهو سيتمكّن من توفير هذه الأغلبية، وخاصة أنه لم يمضِ شهران على الانتخابات السابقة. وفي هذا الإطار، أعلنت قائمة «أزرق ــــ أبيض» أنها لن تدعم قانون حلّ الكنيست، وهو ما يعني محاولة الدفع نحو تأليف حكومة برئاسة شخصية أخرى غير نتنياهو.
وحول المآلات المحتملة لهذه الأزمة، رأت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن الأمر يتراوح بين ثلاثة سيناريوات: الأول، تراجع الأحزاب الحريدية عن موقفها، وإظهارها قدراً من المرونة يرضي ليبرمان، في مقابل موافقة الأخير على إدخال تعديلات على قانون التجنيد. والثاني، تكرار الانتخابات، وخاصة في ضوء رفض قائمة «كولانو» قيام ائتلاف ضيّق يستند إلى ستّين عضواً فقط. والثالث، قيام ائتلاف ضيّق، وهو ما لاقى رفضاً من أحزاب الائتلاف المحتمل نفسه. أما السيناريو الرابع، «الأقلّ واقعية» بحسب الصحيفة، فهو تكليف عضو كنيست آخر بتأليف الحكومة المقبلة.