لم تشأ إيران أن تُنهي العام الأول من بداية الضغوط الأميركية عليها من دون أن تحرك جزءاً من أوراق الضغط التي بحوزتها، فاختارت مواجهة الجميع باستراتيجية مضبوطة قوامها «الضغوط المقابلة»، عبر فتح الباب على ترابط تلقائي بين التنازل والتشدد، وفقاً لتعامل الأوروبيين، شركاء الاتفاق. في الوقت نفسه، لا يزال الأميركي يستكمل إجراءاته العسكرية، برغم رسائله المؤكدة عدم نيته خوض الحرب مع طهران.

أحيت إيران الذكرى السنوية الأولى للانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي في الثامن من أيار/ مايو 2018، بإعلان سلسلة خطوات تقول إنها تقع ضمن إطار الاتفاق النووي وفق ما نصت عليه مادتاه الـ26 و الـ36، مُبيّنة أن اللجوء إلى تلك الإجراءات جاء بسبب المماطلة الأوروبية في تنفيذ الالتزامات المطلوبة لحماية مصالح إيران المُتضمّنة في الاتفاق النووي.
هذا الإعلان الإيراني الذي أفصح مجلس الأمن القومي في البلاد عن تفاصيله، يكشف عن مرحلتين من الإجراءات التي تنوي طهران تطبيقها، إحداهما فورية وتتضمن وقف بيع اليورانيوم المخصب والماء الثقيل اللذين يُنتجان في المفاعلات النووية الإيرانية. هذه الخطوة، وإن بدت فارغة المضمون بسبب وجود عقوبات أميركية مسبقة على الدول التي تشتري من إيران الماء الثقيل واليورانيوم المخصب، إلا أن استمرار طهران فيها سيجعلها مع الوقت تحوز كميات يورانيوم وماء ثقيل تفوق ما سمح به الاتفاق النووي، وحينها ستتعثر إيران بعثرة خرق الاتفاق النووي الذي أكد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف عدم نية بلاده الخروج منه. أما المرحلة الأخرى، فجاءت مؤجلة لـ 60 يوماً، وارتبط تفعيلها في ذلك الوقت بعدم التزام الأعضاء الموقعين على الاتفاق تعهداتهم تجاه إيران، خصوصاً في المجال المصرفي والنفطي، واشتملت تلك المرحلة بحسب بيان المجلس تعليق الالتزامات المفروضة على مستويات تخصيب اليورانيوم، إلى جانب تحديث مفاعل الماء الثقيل في آراك.
ولم تقفل طهران الباب على تلك الخطوات، بل توعّدت في البيان بـ«رد حازم وسريع على أي عمل غير مسؤول، بما في ذلك إحالة القضية على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو فرض مزيد من العقوبات». وفي المقابل، أبدت الاستعداد لاستئناف العمل بتلك الالتزامات في حال تلبية مطالبها. ولم تكتف إيران بإعلان تلك الإجراءات عبر البيان الصادر عن مجلس الأمن القومي، بل استبقت إصدار البيان برسالة تضم قرارات المجلس سلّمها مساعد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى الدول الموقعة على الاتفاق النووي عبر سفرائها الموجودين في طهران.
كذلك تزامن صدور بيان مجلس الأمن القومي مع كلمة كان يلقيها رئيس الجمهورية حسن روحاني (الذي يعدّ دستورياً رئيساً لمجلس الأمن القومي) أوضح فيها أن «هذه الخطوات أمر بديهي وحقوقي»، وشدّد على أن استراتيجية النظام الإيراني هي «التعهد مقابل التعهد، والتهديد أمام التهديد، والانتهاك أمام الانتهاك». لكن اللافت في المواقف الصادرة من طهران، رسالة الدعم التي وجهتها القوات المسلحة الإيرانية إلى حكومة بلادها في ما تنوي القيام به من إجراءات، في الوقت الذي تعهدت فيه في بيان لها «بمقابلة أي تحرك للأعداء بالرد من قِبَل الشعب والقوات المسلحة».

حمل ظريف رسالة مكتوبة من روحاني إلى الرئيس الروسي


وفي خطوة تُظهر حرص طهران على حشد دعم دولي لإجراءاتها المتخذة، حطّ وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، رحاله في العاصمة الروسية موسكو، حاملاً رسالة مكتوبة من الرئيس الإيراني حسن روحاني سيسلمها وفق ما أعلن للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. من جهتها، أكدت روسيا على لسان وزير خارجيتها، سيرغي لافروف، تسلّمها لرسالة القيادة الإيرانية، واعدةً بدراستها. وفي المؤتمر الصحافي الذي عقده لافروف مع ظريف بعد اللقاء الذي جمعهما، حمّلت روسيا أميركا مسؤولية ما وصل إليه الحال في الصفقة النووية، ورأت موسكو في بيانٍ للكرملين أنّ «من السابق لأوانه التحدث عن عقوبات على إيران في ما يتعلق بالاتفاق النووي». أما الصين، فدعت «جميع أطراف الاتفاق النووي إلى الوفاء بالتزاماتهم»، وأضافت في البيان الصادر عن الخارجية أن «إيران تنفذ التزاماتها النووية بالكامل في الوقت الراهن».
أما على المقلب الآخر، فرأى وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، أن «الرسالة الإيرانية جاءت ضبابية»، لينطلق من هذه الرؤية للقول إن «علينا التريث والانتظار لنرى ماذا ستفعل إيران في الأيام المقبلة»، واعداً بأن تتخذ بلاده القرار المناسب بناءً على السلوك الإيراني المنتظر. حالة الانتظار التي أبداها بومبيو من أجل تقييم الرسالة الإيرانية لم تكن بنفس القدر لدى العاصمة البريطانية لندن التي أطلق منها تصريحاته، حيث أعرب وزير الخارجية البريطاني، جيريمي هانت، عن عدم ترحيب بلاده بالخطوات التي بدأتها إيران، منذراً طهران بمواجهة العواقب إن هي توقفت عن الوفاء بالتزاماتها النووية.
مواقف لندن استبقتها باريس بتهديد طهران عبر بيان للخارجية بالعودة إلى نظام العقوبات إذا لم تلتزم الأخيرة تعهداتها في الاتفاق النووي، فيما ذهبت برلين إلى إبداء «أسفها من تصريحات الحكومة الإيرانية حول الملف النووي الإيراني»، وحثت طهران، في تصريحات لمتحدث باسم الحكومة الألمانية، على عدم الإقدام على أي «خطوات عدائية»، مؤكدة أنها تريد الإبقاء على الاتفاق النووي وأنها تتعهد بالتزاماتها كاملة «ما دامت إيران تفعل المثل».
وفي ضوء المطالب الإيرانية من أوروبا بتفعيل الآلية المصرفية «إينستكس»، والشرط الإيراني الواضح بتوسيع الآلية لتشمل التبادلات المصرفية والنفطية بدلاً من اقتصارها على الغذاء والدواء، جاء السماح الأميركي للمساعدات الإنسانية بالمرور عبر تلك الآلية، بحسب ما صرح بذلك بومبيو أثناء زيارته لبريطانيا. هذا التغاضي الأميركي عن المساعدات الإنسانية لم يظهر في تحذيرات المساعد الخاص للرئيس الأميركي تيم موريسون، التي وجّهها إلى المستثمرين والشركات والبنوك الأوروبية في حال إجرائهم تبادلات تجارية عبر الآلية الأوروبية، حيث وصف المشاركة في تلك الآلية بـ«القرار التجاري السيئ جداً». ولم ير موريسون في التحرك الإيراني سوى أنه «ابتزاز نووي لأوروبا من أجل تخفيف القيود عن البرنامج النووي لطهران».



ترامب يفرض عقوبات على المعادن ويريد التفاوض
أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، فرض عقوبات جديدة على إيران، في سياق سلسلة عقوبات يفرضها منذ إلغاء الإعفاءات من العقوبات على شراء النفط الإيراني. وبعد العقوبات على تصدير اليورانيوم، أعلن البيت الأبيض ليلاً فرض عقوبات على التعاملات التجارية كافة في قطاعات الحديد والصلب والألومنيوم والنحاس الإيرانية. وقال ترامب إن العقوبات الجديدة «تستهدف عائدات إيران من صادرات المعادن، التي تشكل 10% من مجمل صادراتها وتشكل إشعاراً للدول الأخرى بأن لا تسامح مع دخول الصلب ومعادن إيرانية أخرى إلى موانئها». ودعا بيان ترامب طهران إلى «توقّع المزيد من العقوبات إذا لم تغيّر سلوكها». وفي الوقت نفسه، أبدى الرئيس الأميركي رغبة في التفاوض، وقال: «أتطلّع إلى لقاء قادة إيران يوماً ما من أجل التوصّل إلى اتفاق»، وإلى «اتّخاذ خطوات تعطي إيران المستقبل الذي تستحق». الجدير ذكره أن قطاعات المعادن الصناعية الإيرانية تعدّ ثاني أكبر الصادرات بعد النفط الذي بات الحظر الأميركي عليه شاملاً منذ مطلع الشهر الجاري.