جددت إسرائيل تذكير العالم بالوصاية الصهيونية على اليهود في كل بقاع الأرض، من خلال إحيائها أمس ذكرى «المحرقة والبطولة» التي أبيد خلالها ستة ملايين يهودي في الحرب العالمية الثانية. مناسبة للتذكير بأنّ تل أبيب استغلت المحرقة، ليس فقط من أجل تبرير احتلال فلسطين، أو اصطناع مظلوميات تحت مسمى «معاداة السامية»، بل أيضاً كـ«تطعيم مناعي» يُعطى منذ الطفولة.

توقفت السيارات في شوارع فلسطين المحتلة أمس، بمجرد انطلاق صافرات ذكرى «المحرقة والبطولة»، وتوقفت أيضاً عن العمل أماكن الترفيه، والمطاعم، ومراكز التسوّق. حدثٌ يتكرر سنوياً قبيل خمسة أيام على ذكرى يوم «استقلال إسرائيل». وفي هذه المناسبة، أعاد الرئيس الإسرائيلي، روؤفين ريفلين، اتهام أوروبا بـ«العنصرية»، وقال إن «أوروبا اليوم، مثل أجزاء أخرى في العالم كله، تُبدل وجهها من جديد، وتطاردها أشباح الماضي. نظريات التفوق العرقي، ونقاء العرق القومي، كراهية الغرباء، معاداة السامية... كل هذه أمور مستفزة من جانب اليمين واليسار على حدٍّ سواء في جميع أرجاء أوروبا». الرئيس الإسرائيلي، الذي لا يختلف عن مسؤولين إسرائيليين كُثر في طريقة استغلال المحرقة، تجاهل أحدث الأقوال العنصرية التي نطق بها الحاخام الصهيوني، غيورا ردلر، خلال محاضرة له في المدرسة الدينية في مستوطنة «عيلي» قبل أيام، حيث تحدث عن «التفوق العرقي لليهود»، في مقابل «العيوب الخلقية التي يحملها العرب في جيناتهم»، ولذلك على هؤلاء (العرب)، بحسب نظريته، أن «يخدموا اليهود».
أمّا رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، فلم ينفِ حجم التضامن الذي تحظى به إسرائيل في العالم، ولكنه أضاف في خطابه أن «ذلك (التضامن) يترافق مع موجات من الكراهية من قِبَل اليمين المتطرف، واليسار المتطرف، والإسلام المتطرف». نتنياهو استغل المناسبة أيضاً للتطرق لـ«التهديد الإيراني»، قائلاً إن «طهران تبعث لنا كل يوم رسائل تهدد بالقضاء علينا. نحن لا نتجاهل ذلك، ولكننا أيضاً لا نرتدع منه... إسرائيل لن تقدم رقبتها للذبح، بخلاف ما حصل إبان المحرقة، نحن قادرون اليوم على حماية أنفسنا بقوانا الذاتية، وبجيشنا القوي القادر على التغلب على أعدائنا».

في عُمر 3 سنوات يسمع الأطفال الإسرائيليون كلمة محرقة للمرة الأولى


وبما أن مراسم «ذكرى المحرقة» لا تقتصر فقط على المؤسسات العامة والقواعد العسكرية، بل تشمل المدارس أيضاً، فإن الأخيرة كانت محطّ اهتمام صحيفة «هآرتس» التي نشرت تقريراً أمس، تتبّعت فيه مراحل تطور تدريس «الهولوكوست» في المدارس الإسرائيلية، وصولاً إلى تدريسها في رياض الأطفال. اللافت، وفقاً لتقرير الصحيفة، أنه في العقد الأول من قيام إسرائيل، أي عندما كانت المحرقة حديثة العهد، لم يُدخَل الموضوع إلى مناهج التعليم. وحتى نهاية الخمسينيات، كان مسموحاً للمدرّسين الإسرائيليين استخدام كُتيّبات صغيرة للتحدث عن ذلك. التطور حدث عندما اختطف جهاز «الموساد» الإسرائيلي، أودولف أيخمان، أحد المسؤولين الكبار في البوليس السري في الرايخ الثالث. وبعد محاكمة آيخمن وإعدامه شنقاً في مدينة اللد المحتلة، أُدخل موضوع المحرقة رسمياً إلى المدرسة، مروراً بإقراره مادةً تدريسية في كتب التاريخ، وصولاً إلى اعتبار وزارة التربية والتعليم زيارة معتقل أوشفتس في بولندا من الرحلات المدرسية التوعوية في سنّ المراهقة.
أمّا متى يسمع الإسرائيليون كلمة «شوءآة» (محرقة) أول مرّة في حياتهم؟ فذلك خلال سنواتهم الأولى (3-4 سنوات) في رياض الأطفال، وخلال مراحل دراستهم اللاحقة يتعمّقون في هذا الموضوع تدريجاً، وصولاً إلى القيام برحلة إلى معرض «ياد فاشيم» في القدس المحتلة، وإلى معسكرات الإبادة في بولندا. لكن هذا، بحسب الصحيفة العبرية، «لم يكن موجوداً في المناهج خلال العقد الأول من قيام إسرائيل». وهو ما تعزوه المؤرخة الصهيونية، حنّة يابلونكا، إلى أن «المعرفة حول ما حدث في أوروبا كانت محدودة، ولم تُكشف الصورة الكاملة لإبادة اليهود إلا بعد سنوات من ذلك. الأحداث التاريخية تحصل، ولكن إقرار المناهج التعليمية يتطلب وقتاً طويلاً بعدها».
فقط، بعد محاكمة آيخمن أصبح الانشغال بالمحرقة أمراً محورياً على المستويين المحلي والدولي. ومنذ ذلك الوقت، بدأت وزارة التعليم الإسرائيلية بعقد الندوات الأولى حول إقرار المنهاج التربوي المناسب لتدريس المحرقة/ الكارثة. وفي عام 1979، أُدخلت المحرقة كمادة إلزامية في المدارس الثانوية لمدة 30 ساعة سنوية. وفي أواخر الثمانينيات، فتح سقوط «الجدار الحديدي» الباب أمام وفود الطلبة الإسرائيليين للسفر إلى أوروبا الشرقية، وتحديداً إلى بولندا ومعسكرات الإبادة التي أنشأتها النازية في وارسو. وهي رحلات تثير جدلاً في إسرائيل لناحية كلفتها المادية العالية، والتأثر العاطفي للطلاب في أعمار صغيرة نسبياً.
صحيح أن وضع المنهاج التعليمي الخاص بالمحرقة استغرق وقتاً طويلاً، ولكن تقرير مراقب الدولة قبل عدة أعوام أظهر أن «الوزارة (التربية والتعليم) بدأت تنفيذ القرار الخاص بإلزام المدارس بتدريس المحرقة من دون أهداف تعليمية واضحة». وعلى مرّ السنين، انتُقدت طريقة وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية في تدريس «الهولوكوست» وخاصة للأطفال. في أرشيف صحيفة «هآرتس» لعام 1961، يظهر، مثلاً، من تقرير لإحدى المُراسِلات، أن مُدرِّسة وجهت سؤالاً إلى تلامذة الصف الرابع للكتابة عنه في وظيفة بيتية، وهو: ماذا شعر الأطفال عندما أرسلهم آيخمن إلى غُرف الغاز؟
فرْض وزارة التربية والتعليم تدريس المحرقة من وجهة نظر إسرائيلية خالصة، لا يستهدف الطلبة اليهود فقط، بل أيضاً الطلبة من فلسطينيّي الـ48 الذين يشكلون 17 بالمئة من مجمل الطلاب في إسرائيل. في المقابل، يحرم الاحتلال المدارس الفلسطينية تدريسَ الرواية الفلسطينية للنكبة، ويحظر على هؤلاء الطلاب التعرف إلى نكبة شعبهم.