طهران | بعد انسحاب الولايات المتحدة، قبل نحو عام، من الاتفاق النووي مع إيران، انتقدت الدول الأوروبية الثلاث، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، القرار الأحادي للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأكدت بقاءها في الاتفاق، وأبدت جاهزيتها لإيجاد آلية للتبادل الاقتصادي بشرط عدم انسحاب طهران من الصفقة. أما إيران، فقد فضلت، من خلال الحفاظ على علاقاتها مع الأوروبيين، الحدّ من تقاربهم مع واشنطن ضدها، وأن تتمكن من إيجاد سبيل لخفض آثار الضغوطات الناتجة من العقوبات الأميركية. لكن التفاؤل آخذ بالتراجع الآن شيئاً فشيئاً، حيث طفت إلى السطح شكوك كثيرة في «جدوى» التعاون الاقتصادي بين إيران وأوروبا.

فمع مضي وقت طويل على الوعود الأوروبية، العديد من الشركات الأوروبية، بما فيها «توتال» و«بيجو»، القلقة من خسارة السوق الأميركية، رحلت عن إيران، وقلّما تجد شركة جاهزة لتقبل بمجازفة الاستثمار في إيران. ومن جهة أخرى، الآلية التي قدمتها أوروبا للتعاون الاقتصادي مع طهران لم توضع بعد موضع التطبيق، فيما يعرب المسؤولون الإيرانيون عن تذمّرهم من هذه الظروف. وفي الوقت ذاته، المواقف السلبية لبعض المسؤولين الأوروبيين في شأن البرنامج الصاروخي الإيراني وسياسة إيران في المنطقة (وحتى الاتفاق النووي كما في الموقف الأخير للسفير الفرنسي لدى واشنطن) جعلت التحديات تتصدر المناخ العام للعلاقات.
وكان الاتحاد الأوروبي قد وعد، في أيلول/ سبتمبر 2018، بأن يستحدث آلية مالية خاصة للمضي قدماً في التجارة مع إيران والالتفاف على العقوبات. لكن وضع الآلية أُرجئ مراراً إلى أن أعلنت كلّ من فرنسا وألمانيا وبريطانيا في 31 كانون الثاني/ يناير الماضي عن آلية سمّيت «أداة دعم التبادل التجاري» (Instrument for supporting trade exchanges). وتعمل الآلية المعروفة اختصاراً بـ«إينستكس» كمؤسسة وسيطة يمكن إيرانَ من خلالها أن تحتفظ بعوائد صادراتها إلى أوروبا على هيئة قيمة ائتمانية، والاستفادة من هذا الائتمان عند الضرورة للشراء من الشركات الأوروبية، لذلك فإن الأموال لا يجري تبادلها نقداً بين إيران وأوروبا، بل يجري تناقل قيمتها الائتمانية.

يعرب المسؤولون الإيرانيون عن تذمّرهم من هذه الظروف


كان المتوقع بداية أن يكون التعاطي الاقتصادي بين إيران وأوروبا شاملاً، ولا سيما في مجال التبادل المصرفي، لكن الأوروبيين حصروا الأداة المالية الخاصة في المجالات التي لا تشملها العقوبات، مثل الغذاء والدواء. بناءً على ذلك، يظلّ التحدي قائماً في شأن جدوى الآلية في ضوء تخوف الكثير من الشركات الأوروبية وقلقها من التعامل مع إيران بسبب العقوبات. الهيكلية الاقتصادية للبلدان الأوروبية مرتبطة كثيراً بالاقتصاد الأميركي، ولا تتوافر لديها إمكانية العمل بصورة مستقلة بشكل يذكر. وتركيبة الشركاء التجاريين لإيران تظهر أن أوروبا تملك حصة متواضعة من التبادل التجاري مع إيران. وحتى قبل الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، فإن 14% من الصادرات الإيرانية فحسب كانت تذهب إلى أوروبا، ونحو 20% من الواردات الإيرانية كانت تأتي من هذه القارة، بينما تستحوذ الصين بمفردها على 33% من الصادرات و30% من الواردات الإيرانية.
اتخذ الاتحاد الأوروبي مواقف سياسية قوية في ما يخص إعادة العقوبات، لكنه تكاسل في مجال الإجراءات التطبيقية لمواجهتها، من الحدّ الأقصى كالقوانين المعرقلة و«سويفت» الأوروبي، إلى الحد الأدنى مثل الآلية المالية الخاصة (SPV) وآلية «إينستكس» (INSTEX) التي تشبه الآلية المالية الإنسانية الخاصة (HSPV). تصرّفُ الاتحاد الأوروبي هذا، وعدم وفائه بتعهداته والوعود التي قطعها، ولا سيما في الحقل الاقتصادي، زاد القناعة في إيران بأنه واعتقاداً منه بأن طهران لن تنسحب نهائياً من الاتفاق النووي في مطلق الأحوال، أصبح غير جاهز لدفع أثمان مواجهة العقوبات، وفي الوقت ذاته يحتفظ بمزايا ومنافع الالتزام الإيراني بالاتفاق.
وكان وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، قد أعلن قبل أيام أن التحضيرات في شأن «إينستكس» جارية في طهران، ويقع الدور الآن على أوروبا لتفي بتعهداتها. وهدد الدول الأوروبية ضمناً بأنه إن لم تفِ بوعودها والتزاماتها، فإن إيران «لن تبقى بانتظارها». كذلك هاجم المرشد علي خامنئي، الأوروبيين، في كلمة ألقاها قبل أسابيع، وصف فيها الآلية المالية التي وعدت بها أوروبا بأنها «أشبه بالمزحة».