لندن | في عرض نادر للوحدة بين الأحزاب الخمسة في إيرلندا الشمالية، بما فيها الـ«شين فين» ـــ الحزب القومي المنادي بالوحدة مع الجمهورية الإيرلندية ـــ، تقاطعت الإدانات لحادثة مقتل صحافية محلية عَرَضاً، أثناء تصدي السكان المحليين ومقاتلين من مجموعة يسارية لقوة من شرطة إيرلندا الشمالية حاولت تنفيذ عملية اقتحام في قلب مناطق يغلب عليها التأييد للجمهوريين، وذلك عشية الاحتفالات السنوية بذكرى إعلان قيام أول جمهورية في إيرلندا المعاصرة، إثر ثورة عيد الفصح ضد الاستعمار البريطاني عام 1916.

رئيسة «شين فين»، ميشيل أونيل أعلنت إدانتها التامة لأعمال العنف التي قُتلت خلالها الصحافية، وهاجمت من سمّتهم «البعض من العالقين في أزمنة قديمة، مِمّن منحوا أنفسهم سلطات لارتكاب أعمال عديمة الفائدة ومسيئة للسلام». كذلك دانت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، وشريكها في السلطة حزب «الديموقراطيين الوحدويين» اليميني، الممثَّل في مجلس العموم، الحادثة والمتسببين فيها، وأعربا عن تضامنهما مع أسرة الضحية، الأمر الذي فعله أيضاً رئيس وزراء الجمهورية الإيرلندية ليو فاراكدار.
وبحسب شهود عيان، فإن الصحافية لايرا ماك ــ كي (29 عاماً) أصيبت بإطلاق نار عشوائي أثناء مرافقتها قوات شرطة في مداهمة استباقية (ليلة الخميس الماضي) لحي كريجان السكني في مدينة ديري (شمال غرب بلفاست)، حيث دارت صدامات عنيفة بين شبان المنطقة والقوة المهاجمة، أدت إلى احتراق سيارتين على الأقل بقنابل المولوتوف. وعلى إثر إصابتها، نُقلت الصحافية إلى مستشفى محلي، لكنها فارقت الحياة، فيما اعتقلت الشرطة اثنين من الشبان (18 و19 عاماً) عقب الحادث، قبل أن تطلق سراحهما في وقت لاحق.
وأسفت مجموعة إيرلندية من الشبان الجمهوريين المتطوعين، على موقعها الإلكتروني، لوقوع ضحايا بالخطأ، لكنها اعتبرت أن شرطة شمال إيرلندا ـــ البريطانية، وقوات ميليشيا مكوّنة من متقاعدي الشرطة، مسؤولة بالكامل عمّا حدث. وتطلق المجموعة على نفسها اسم «التحرير» باللغة الإيرلندية، ولها مكتب رسمي، كما ترفع شعار «الثورة لم تنتهِ»، لكنها لم تخض أي انتخابات من قبل، ولا يُعرف بالتحديد مدى تأييدها بين السكان المحليين. من جهته، قال المتحدث باسم قوة شرطة شمال إيرلندا إن مطلق النار ينتمي، على الأغلب، إلى مجموعة مسلحة تُعرف بـ«الجيش الجمهوري الإيرلندي الجديد» (New IRA)، وصفها بالأشد خطراً من بين «المجموعات الجمهورية المعارضة للاحتلال البريطاني» في إيرلندا الشمالية. وكان «الجيش الجديد» تشكّل في عام 2012 من عناصر أقصى اليسار في تنظيمات «الجيش الجمهوري» التي عارضت اتفاق «الجمعة العظيمة» عام 1998 ـــ وقّعه الجناح السياسي وقتها مع حكومة توني بلير ـــ وتمسكت منذ ذلك الحين بمبدأ استمرار النضال المسلح حتى توحيد شطرَي إيرلندا، على رغم انحسار ملحوظ في كمّ العمليات ونوعها، مقارنة بالفترة التي سبقت الاتفاق المذكور.
وتراقب السلطات البريطانية بقلق بالغ مظاهر تصاعد غير مسبوق في أعمال العنف والهجمات وحوادث إطلاق النار التي يشنّها «الجيش الجديد»، وكان آخرها حادثة انفجار سيارة ملغومة خارج مبنى محكمة ديري في كانون الثاني/ يناير الماضي. كذلك، اتهمته بالوقوف وراء ما عرف بـ«رسائل الحب من إيرلندا»، وهي مغلفات بريدية معدّة للانفجار، أُرسلت إلى عناوين في مطار هيثرو ومطار لندن ومحطة واترلو للقطارات وجامعة غلاسغو، ووُجدت عليها طوابع بريد أصدرتها إيرلندا الشمالية لمناسبة «عيد الفالانتاين».
وعلى الرغم من أن غالبية السكان المحليين في إيرلندا الشمالية لا يرغبون في تجدد موجات العنف، إلا أن فشل العملية السياسية لتقاسم السلطة مع البروتستانت الموالين للندن، وتعليق العمل بالبرلمان المحلي منذ عام 2017، فضلاً عن تردّي الأوضاع الاقتصادية لقطاعات واسعة من الطبقة العاملة، كلها عوامل تسبّبت في تزايد التعاطف مع قضية الكفاح المسلّح على حساب البرجوازية الإيرلندية التي تفضّل تأجيل الاستحقاقات التاريخية، حفاظاً على مصالحها المتشابكة مع لندن. وما أجّج مشاعر الإحباط والغضب الشعبي على نحو غير مسبوق، شعور الذهول من سوء إدارة حكومة «المحافظين» البريطانية لملف «بريكست»، والذي تمثّل مسألة إدارة الحدود بين شطرَي إيرلندا العقدة الرئيسة فيه إلى الآن.