لندن | كما كان متوقعاً منذ أشهر، أقدم نظام الرئيس الإكوادوري لينين مورينو الموالي لواشنطن على سحب الحماية عن مؤسس موقع «ويكيليكس» الشهير بكشفه وثائق تدين النظام الأميركي بارتكاب جرائم وحشيّة والتآمر على إسقاط أنظمة وتدمير دول ودعم مرتزقة ضدّ بلادهم. وأمام الكاميرات المشرعة، تولى رجال الأمن البريطانيون نقله إلى مقر محكمة كانت جاهزة لإدانته بكسر الكفالة، والتآمر مع آخرين لكشف وثائق حكوميّة أميركيّة، تحضيراً في ما يبدو لتسليمه إلى الولايات المتحدة التي تريده حيّاً أو ميتاً.

جوليان أسانج وقع أسيراً قبل ظهر أمس في لندن. تولّى السفير الإكوادوري ــــ الموالي للرئيس لينين مورينو ــــ مهمّة استدعاء رجال الشرطة البريطانيين الذين كانوا على أهبة الاستعداد، فدخلوا مبنى السفارة الواقع في حيّ هادئ في العاصمة، وقيّدوا الصحافي النبيل مؤسس موقع «ويكيليلكس»، وجرّوه إلى البوابة حيث كانت الكاميرات جاهزة للبث المباشر حول العالم، وثلّة من رجال الأمن بالملابس المدنية بانتظاره، يحميهم طوق ظاهر من رجال الشرطة بملابسهم الرسمية، وآخر من قوات خاصة انتشرت في الجوار للتدخل السريع. لكن الجمهور القليل الذي كان بالجوار لم يحرّك ساكناً واكتفى بالمراقبة.
أسانج، الذي تحوّل مقر لجوئه إلى ما يشبه سجناً انفرادياً، ظهر متعباً، طليق اللحية أبيضها، وبدا كما لو فقد كثيراً من وزنه، ماشياً خطوات بين كتلة رجال الأمن إلى سيارة نقل السجناء التي كانت تنتظر على بعد أمتار من المبنى. كان يحمل بيده كتاباً للكاتب والروائي الأميركي غور فيدال («تاريخ دولة مجلس الأمن القومي») الذي يسجل وقائع تأسيس الدولة الأميركية العميقة حول المجمع العسكري ــــ الصناعي ــــ الاستخباري، وأجواء الثقافة السياسية التي رافقت عملية إحكامها السيطرة على البلاد والعباد. وهو صرخ في وجه سجّانيه أن «المملكة المتحدّة يجب أن تقاوم». لكن طاقم الأمنيين الذين أحاطوا به أدوات مأجورة للنظام البريطاني الغارق حتى أذنيه في التآمر مع الأميركيين للانتهاء من أسانج الشخص، وجعله أمثولة لكل أسانج محتمل.
لم يفاجَئ أحد بالطبع بما حدث. فمنذ 2010 والرّجل على قائمة المطلوبين بشدّة للسلطات الأميركية، بعدما سرّب «ويكيليكس» مئات الآلاف من الوثائق الرسميّة المصنّفة سرية، التي تكشف بالتفاصيل المملّة الوجه البشع للإمبراطوريّة في سلسلة حروبها الظالمة في أفغانستان (90 ألف وثيقة) والعراق (400 ألف وثيقة)، إضافة إلى ربع مليون من برقيّات وزارة الخارجية و800 من تقارير سجن غوانتنامو وغيرها. لم يُغفر لجوليان أبداً كشفه هذه الوثائق، رغم ثبوت صحتها قطعياً وخطورة ما جاء فيها للمواطنين الأميركيين قبل مواطني الدول الأخرى. وقد حاولت واشنطن ترتيب مكيدة لاعتقاله، بينما هو في أوروبا، عبر تلفيق تهم له بالاعتداء الجنسي في السويد، قبل أن تصدر طلباً باسترداده من المملكة بتهمة التآمر لإفشاء أسرار الدّولة، وهي تهمة يسهل في ظل العدالة الأميركيّة أن تؤدي به إلى الإعدام، هذا إذا لم يمت تحت التعذيب أو في شجار غامض بين المساجين أو حتى مسموماً بعقار لا يترك آثاراً.

قد يُحكم على أسانج بالسجن 12 شهراً مع النظر في تسليمه لواشنطن لاحقاً


أسانج، الذي كان على ذمة التحقيقات في لندن، وأطلق سراحه مؤقتاً مقابل كفالة باهظة، لجأ خوفاً على حياته إلى مقر سفارة الإكوادور وطلب حقّ اللجوء السياسي في حرمها الذي يعدّ وفق القانون الدّولي أرضاً تحت ولاية الإكوادور لا يحق للسلطات المحلية في الدولة المُضيفة دخوله دون إذن مسبّق من حكومة البلد. حينذاك (2012)، كان رافائيل كوريّا رئيساً، وهو إلى جانب معرفته الشخصية بأسانج معروف بوطنيته العالية وسياساته اليسارية وانخراطه في المحور الأميركي ــــ اللاتيني المعادي للإمبريالية العالمية، فقَبِل طلب اللجوء، وأمر بحماية أسانج وتوفير متطلباته واحترام خصوصياته، ومنحه الجنسية بعد مرور الوقت الذي يسمح به القانون، ولا سيّما بعد التقصير المتعمّد الذي أظهرته السلطات الأوسترالية في توفير المساعدة لمواطنها البطل.
تغيّرت الأمور بعد انقلاب لينين مورينو الذي ترشح عن حزب الرئيس كوريّا للانتخابات الرئاسية للإكوادور في 2017. ووعد بالاستمرار في سياساته بعدما رفض كوريّا نصائح طاقمه بتعديل الدستور كي يمكنه البقاء في السلطة لولاية ثالثة، عقب استنفاده ولايتين. لكنه أصر على تقديم مثال في تداول سلمي للسلطة، في قارة معروفة بالديكتاتوريين والانقلابات. وبالفعل، أوصل مؤيدو كوريا مورينو إلى المنصب الأرفع في البلاد، لينقلب بسرعة على رفيقه وحزبه وبرنامجه الانتخابي، ويكشف عن وجهه الحقيقي كيميني وألعوبة في يد واشنطن.
كان ملف أسانج من أول ما ناقشه المسؤولون الأميركيون معه عندما زار العاصمة الفيدرالية بداية عهده، إلى جانب مسألة إعادة فتح القاعدة الأميركية التي كان قد أغلقها سلفه كوريا. لم يخيّب مورينو ظن أسياده، فوعد الأميركيين خيراً. وبالفعل، بدأت سلطات السفارة بالتضييق على أسانج، وأسقطت عنه الجنسية وقطعت عنه الاتصال بالعالم الخارجيّ، في وقت شُرع فيه بالترتيبات اللوجستية والتشريعيّة لإعادة تسليم مقر القاعدة للمارينز بعد سنوات طويلة على مغادرتهم إياها.
تسارعت الأمور لاحقاً بعدما دفع الأميركيون واجهتهم المالية، المعروفة بـ«صندوق النقد الدولي»، إلى الموافقة على قرض لنظام مورينو بـ 4.2 مليارات دولار، مع الوعد بإسقاط ديون الإكوادور للحكومة الأميركية، لتصل الأمور إلى ذروتها بعد الكشف عن قضايا فساد وتلقّي رشى وعمليات غسل أموال، بطلها مورينو وأفراد من أسرته، قَبِل المدعي العام في الإكوادور التحقيق فيها. ولكن يبدو أنّ أميركيين نصحوا مورينو بالتصعيد ضد أسانج لصرف الأنظار عن فضائح فساد الرئيس وأسرته، عن طريق اتهام «ويكيليكس» بتسريب الوثائق والصور التي كشفت عن تورّطهم. ورغم أن الموقع نفى ذلك بشدّة ولم يقدّم أيّ طرف دلائل عليه، فإنّ الكذبة دُفعت إلى منتهاها في الإكوادور، لخلق ضجة تعلو فوق صوت الفضيحة، تشارك بصنعها وسائل الإعلام التي يسيطر على معظمها اليمين الموالي لواشنطن إضافة إلى عدد كبير من رجال الدولة وممثلي البرلمان المؤيدين لمورينو.
مسرحيّة التسليم أعدّت بعناية. فنقل أسانج من الفور إلى المحكمة حيث وجهت إليه اتهامات بكسر الكفالة والتآمر لكشف أسرار الدولة الأميركية، ومن المتوقع الحكم عليه بالسجن الفعلي 12 شهراً مع إمكان النظر في تسليمه لاحقاً للولايات المتحدة وفق المطالبة الأميركية المسجلة عند لندن. رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، أعطت مورينو المساحة للادعاء بأن أسانج الذي خالف ترتيبات اللجوء السياسي لم يعد في خطر بعدما صرّحت أخيراً بأن الجانب الأميركي وعدها بألا يقتل أسانج عند تسليمه، وهو تماماً ما حدث. ويبدو أن الأميركيين رتبوا بدقة مشهد خروج أسانج مخفوراً كي يشهده العالم على الهواء مباشرة، تماماً كما فعلت عندما قبضت على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في منزل زراعي نتيجة خيانة سكرتيره، فأُبقي بلا حلاقة لأسابيع ووضع في حفرة تحت الأرض لأيام، وأُعطي عقاقير كي يظهر بصورته التي تداولها الإعلام العالمي على أنها لحظة القبض عليه. لم يكن وقتذاك الهدف شخص صدّام الذي كان مستعداً دائماً للتعاون مع الأميركي، بل إذلال العراقيين وكسر روح المقاومة عندهم بإظهار رئيسهم في تلك الصورة المؤسفة.
هذا تماماً ما تريده السلطات الأميركية من أسانج اليوم. فالوثائق التي كشفها «ويكيليكس» لم يعد ممكناً تكذيبها، والرجل لم يعد رئيس تحرير الموقع منذ أكثر من عام، فيما يجادل كثيرون بأنّه يستحق الحماية القانونية بوصفه صحافياً كشف حقائق وتعديات وجرائم تمس كل المواطنين. لكن الإمبراطورية، بإذلال أسانج وربما قتله لاحقاً، تريد إبلاغ كل «أسانج محتمل» بأن يدها طويلة، وأن نظام الغاب الأميركي لا يعترف بخرافات مثل القانون الدّولي أو توازن السلطات أو سيادة الدول أو حرية الصحافة أو القيم الديموقراطية. فما تقوله واشنطن يمشي، لا فرق في ذلك بين لندن أو كويتو أو ما بينهما من عواصم يصدّق مواطنوها أنهم ينتمون إلى دول ذات سيادة مزعومة؛ إنها الغابة الأميركيّة أيها المغفلون.