تخوض 15 قائمة رئيسة موزعة على معسكرَي اليمين والوسط واليسار، اليوم، نزالاً انتخابياً تصبّ التوقعات بخصوص نتائجه في مصلحة اليمين، من دون أن تغلق الباب على مفاجآت قد تبدّل المعادلات التي استقرّت عليها استطلاعات الرأي. هذه المفاجآت، التي تشكّل هاجساً لبنيامين نتنياهو تحديداً، تجعل احتمالاتُها المعركة محتدمة على مستويين: المقاعد المفقودة من الأحزاب الصغيرة، وأصوات الكتلة العائمة. إزاء ذلك، لا يمكن الجزم بهوية رئيس الحكومة المقبل، والتي لم تعد مرتبطة بهوية مَن يتصدّر نتائج الانتخابات حصراً.

يتوجّه الناخبون الإسرائيليون، اليوم، إلى صناديق الاقتراع، لاختيار ممثليهم في الكنيست الحادي والعشرين منذ قيام الدولة العبرية، في انتخابات مبكرة هي التاسعة على التوالي، وسط استحقاقات إسرائيلية على أكثر من صعيد داخلي وخارجي، تضفي نوعاً من اللايقين على مستقبل الائتلاف الحكومي المقبل، مهما كانت هوية من فيه. وإن كانت استطلاعات الرأي تشير إلى أن الأوفر حظاً في تأليف الحكومة المقبلة هو حزب «الليكود» برئاسة بنيامين نتنياهو، فإنه أيضاً لا يقين حول ما إذا كان سيحلّ أول في سلّم النتائج، في واحدة من المفارقات البارزة في هذه الانتخابات، مع التأكيد في الموازاة أن للمفاجآت محلّاً معتبراً في التقديرات.
تخيّم على الانتخابات نفسها والمراحل التي تليها، لوائح الاتهام بجنايات رشًى وفساد ضدّ نتنياهو، والتي قد تكون جزءاً لا يتجزأ من الاتفاقات الائتلافية إن تمّ تكليفه بتأليف الحكومة، وذلك في محاولة منه لتحصين نفسه من المساءلة القانونية، في ما بات يُعرف في إسرائيل بـ«القانون الفرنسي»، الذي ينص على عدم محاكمة رئيس الوزراء خلال تولّيه منصبه إلا في جرائم متعلقة بمخالفات جنسية أو عنف، أو متعلقة بالأمن، ما يعني تجنيبه المحاكمة بتهم فساد مالي ورشًى.
وتخوض الانتخابات رسمياً 42 قائمة، وهو عدد قياسي نسبة إلى ما سبق من انتخابات، في حين أن القوائم الجدية قد تصل إلى 15 موزعة على معسكرات اليمين والوسط واليسار، ومنها أحزاب وتكتلات سياسية تأسّست أو اندمجت قبل موعد الانتخابات لغرض خوضها. وبناءً على توقعات بارتفاع عدد المصوتين، إلى جانب ارتفاع نسبة العتبة الانتخابية إلى 3.25% (ما يعادل أربعة مقاعد في الكنيست)، تبقى درجة اللايقين عالية إزاء عدد من الأحزاب التي تترنح بين السقوط أو الحصول على المقاعد الأربعة، كما هي حال حزب «إسرائيل بيتنا» لأفيغدور ليبرمان، و«كولانو» لوزير المال موشيه كحلون.

لن تحسم النتائج الأولية هوية الرئيس المكلف تأليف الحكومة المقبلة


هكذا، يقود المنافسةَ «الليكود»، الذي يتقدم لوائح الأحزاب والتكتلات في معسكر اليمين والأحزاب الدينية، مقابل «أزرق أبيض» الذي يتقدم لوائح أحزاب الوسط واليسار برئاسة رئيس أركان الجيش السابق، بني غانتس، إلى جانب رئيسَي أركان سابقَين هما موشيه يعلون وغابي أشكنازي. وطوال الحملة الانتخابية، تنافس الحزبان على صدارة نتائج استطلاعات الرأي مع فروق بسيطة، الأمر الذي أثار الخشية لدى «الليكود» ورئيسه نتنياهو من إمكان تقدم منافسه ثم احتمال تكليفه، وهو ما لا يمكن التصدي له بالركون حصراً إلى تعذّر قدرة المنافس على التأليف على خلفية غلبة مقاعد اليمين؛ إذ بالإمكان «شراء» عدد غير قليل بالمناصب، على رغم تصريحات الأحزاب اليمينية المؤكدة تأييد نتنياهو والابتعاد عن منافسيه.
وفي ظلّ إمكانية سقوط عدد من الأحزاب، باتت المعركة على المقاعد المفقودة من هذه الأخيرة هي الأكثر حدّة داخل المعسكر الواحد، الأمر الذي جعل الأحزاب الصغيرة والمهدَّدة تحارب على البقاء السياسي أولاً، وعلى فوز معسكرها ثانياً، وهو ما يفسر زيادة انتقاد اليمين لنتنياهو أكثر من انتقاده لغانتس وأحزاب الوسط واليسار. كذلك، وبفعل التقارب في نتائج استطلاعات الرأي، ثمة معركة أخرى بين المعسكرين على أصوات الكتلة العائمة.
عدد مقاعد الكنيست 120، وبطبيعة الحال الأغلبية المطلوبة لنيل ثقة الحكومة بعد تأليفها هي 61 مقعداً على الأقل. ولرئيس الدولة، رؤفين ريفلين، تكليف من يراه قادراً على تأليف الحكومة وفقاً لنتائج الانتخابات، من دون التزام قاعدة تكليف رئيس الحزب الذي حلّ في المرتبة الأولى من حيث عدد المقاعد. من هنا، تحتدم المعركة على مستويين: أولهما الصدارة بين «الليكود» و«أزرق أبيض»؛ على اعتبار أن حصول أحدهما على المرتبة الأولى يسهّل صدور قرار تكليفه وإن لم يكن ريفلين ملزماً بذلك. وثانيهما الأغلبية بين المعسكرات؛ بالنظر إلى أن تحصيل أحد المعسكرين، اليمين أو اليسار والوسط، الأغلبية، يؤمّن للمكلف ثقة الكنيست. وهذان المستويان لا يقلّان أهمية عن بعضهما البعض.
يخوض الانتخابات، في معسكر اليمين، عدد من الأحزاب على اختلاف درجات يمينيتها، إلى جانب «الليكود» والأحزاب الدينية. ويضمّ هذا المعسكر كلّاً من «الليكود» و«اليمين الجديد» و«إسرائيل بيتنا» و«كولانو» و«اتحاد أحزاب اليمين» و«يهودت هتوراه» و«شاس». وفي المعسكر المقابل، الذي يشمل أحزاباً وقوائم من الوسط واليسار، تبرز في المقدمة خلطة أحزاب واتجاهات أُطلق عليها اسم «أزرق أبيض» برئاسة غانتس، ومن بعدها «العمل» وتكتل «حداش» و«بلد» و«الحركة الإسلامية» (الجنوبية) و«الحركة العربية للتغيير» و«ميرتس». فهل «الليكود» برئاسة نتنياهو سيكون رئيس الحكومة المقبل، أم «أزرق أبيض» برئاسة غانتس؟ ستظهر، في ساعة متأخرة من مساء اليوم، النتائج الأولية التي ربما تشير إلى الفائز بها، لكنها لن تحسم، للمفارقة، ما إذا كان المكلف نفسه، في نهاية المطاف، هو رئيس الحكومة المقبل.