تميّزت الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية الإسرائيلية بإطلاق مواقف تنطوي على أكثر من رسالة. في هذا الإطار، كشف بنيامين نتنياهو عن نسخته الجديدة، معلناً على مسافة أيام معدودة من يوم الحسم الانتخابي، عزمه على ضمّ المستوطنات والضفة الغربية بالتدريج. وتبلورت في ضوء تلك المواقف، وفي مقابل برنامج حزب «أزرق أبيض» الذي يترأسه رئيس الأركان السابق بني غانتس، حقيقة أن التجاذب السياسي يتمحور الآن بين مَن يدعو إلى استمرار الوضع الراهن على الساحة الفلسطينية، كما كانت سياسة نتنياهو السابقة، وكما هي مواقف غانتس الحالية، وبين من يرى أن الظرف الدولي والإقليمي يسمح لإسرائيل بالانتقال إلى المرحلة التالية من مخطط اليمين، عبر شرعنة الاحتلال وتكريسه، وهو ما تمثله النسخة الجديدة لنتنياهو، ويعني عملياً، كما رأى رئيس تحرير صحيفة «هآرتس» ألوف بن، أن ثمة صراعاً «بين نتنياهو القديم الذي يمثله غانتس، ونتنياهو الجديد الذي يدعو إلى ضمّ الضفة الغربية».

إذا ما تم تجاوز الأحزاب اليمينية المتموضعة على يمين نتنياهو، يبدو لافتاً أن حزب «الليكود» لم يقدم برنامجاً سياسياً للانتخابات. مع ذلك، استغلّ نتنياهو مناسبة الانتخابات من أجل كشف خطته السياسية للمرحلة المقبلة، بهدف استقطاب جمهور اليمين، مستفيداً من مواقف دولية داعمة، والاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل، ومن ثم بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل. في المقابل، يلاحظ أن التكتل الذي ضمّ ثلاثة أحزاب، وحمل اسم «أزرق أبيض» برئاسة بني غانتس، وينافس نتنياهو على تأليف الحكومة المقبلة، أبقى جزءاً من مواقفه ضبابياً، ولم يتحدث عن دولة فلسطينية، بل تجاهل التطرق إليها بشكل مقصود، وتعهد بأن لا يكون هناك «انفصال ثانٍ» كما حصل في قطاع غزة، وأن يطرح كل قرار سياسي تاريخي على الاستفتاء الشعبي أو أن يصادق عليه الكنيست بأغلبية خاصة. وهكذا، يكون قد تجنّب تحديد مواقفه من القضايا التي يحاول نتنياهو دفعها إلى الواجهة، بهدف عدم تصنيفه تحت أي عنوان يميني أو يساري. وكان لافتاً أيضاً أن حزب «أزرق أبيض» دعا إلى مؤتمر إقليمي مع دول عربية، لتعميق مسارات الانفصال عن الفلسطينيين، مع المحافظة على المصالح الأمنية لدولة إسرائيل التي لا مساومة عليها... وتعهّد بتعزيز الكتل الاستيطانية، وأن يكون غور الأردن الحدود الأمنية لدولة إسرائيل. وهو الخيار الذي انتهجه نتنياهو خلال العقد السابق، واستطاع من خلاله الحفاظ على المراوحة. أما بالنسبة إلى القدس، فباتت وراء الأحزاب المتنافسة، التي تتسابق في ما بينها للتأكيد على بقائها موحدة، و«عاصمة أبدية» لإسرائيل.

يستطيع اليمين أن يتباهى بأنه استطاع الاستفادة إلى أقصى الحدود من اتفاق أوسلو


على خط مواز، انتقل نتنياهو إلى تنفيذ المرحلة التالية في مخطط اليمين إزاء الضفة الغربية، وأعلن في سلسلة مقابلات مع وسائل الإعلام الإسرائيلية عزمه على «فرض السيادة الإسرائيلية» على مناطق في الضفة الغربية المحتلة، مضيفاً أنه يفضل تنفيذ ذلك «بالاتفاق مع الأميركيين». وأوضح أنه لا يتحدث عن كل المنطقة و«إنما، في المرحلة الأولى... عن الكتل الاستيطانية والمستوطنات المعزولة أيضاً». وخطورة هذا الموقف أنه يتناول ضمّ مناطق «ج»، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، وتحتوي كل المستوطنات. وبخصوص الموقف من الدولة الفلسطينية، أكد نتنياهو رداً على سؤال: «أقول بشكل لا لبس فيه أنه لن تقوم دولة فلسطينية... لن أقتلع المستوطنات، بل سأفرض السيادة عليها، وأحافظ على القدس موحدة، وأحافظ على سيطرتنا في كل المنطقة الواقعة غربي نهر الأردن من أجل منع غزة جديدة». هكذا، بالمقارنة بين ما قدمه «أزرق أبيض» في برنامجه السياسي، وما أطلقه نتنياهو من مواقف، يتضح أن هناك توجهين متقابلين لمعالجة الصراع: اليمين يسعى إلى ضمّ مناطق «ج»، و غانتس الذي يقترح استمرار الوضع الراهن في الضفة، والامتناع عن الضمّ، وهو ما يشكل امتداداً للسياسة التي اتبعها نتنياهو طوال المرحلة الماضية. وفي ما يتعلق بالموقف من قطاع غزة، برّر نتنياهو سياسة الاحتواء التي يمارسها بهدف تعميق الانقسام بين الضفة والقطاع، وقطع الطريق على إقامة دولة فلسطينية تحيط بإسرائيل من جهتين. أما غانتس وزملاؤه السابقون في رئاسة الأركان، فيدعون إلى سياسة أكثر هجومية تجاه «حماس» وقيادتها ومقاتليها.
قد لا تكون مواقف نتنياهو مفاجئة، ولكنها باتت أكثر صراحة ومكشوفة، انطلاقاً من تقدير مفاده أن الظروف الدولية والإقليمية تمثل التوقيت المثالي لخطوة من هذا النوع، وتحديداً في ضوء اندفاع الكثير من العرب للتطبيع مع إسرائيل، من دون أي شروط جدية تتصل بتسوية القضية الفلسطينية، حتى بما يلبي سقف اتفاق أوسلو. وعملياً، يكون نتنياهو، ومعه اليمين الإسرائيلي، نجحا في الإجهاز على كلّ ما كان يُسمى «قضايا الوضع النهائي»، المتمثلة في اللاجئين والقدس والمستوطنات والحدود، والتي تم تأجيل بتّها إلى مفاوضات الوضع النهائي بعد اتفاق أوسلو.
في ما يتعلق بعودة اللاجئين الفلسطينيين، هناك إجماع إسرائيلي على معارضتها بالمطلق، لكونها تمثّل تهديداً للأمن القومي، وللهوية اليهودية للدولة، وبالتالي فهي خارج أي إمكانية تفاوض. أما موضوع القدس، فقد حسمه اليمين من خلال نيل الاعتراف الأميركي بكونها عاصمة موحدة لإسرائيل، وأعلن الآن عزمه على ضمّ المستوطنات، وهو ما يعني ضمّ أغلب الضفة الغربية. وبخصوص الحدود، أعلن استمرار سيطرة إسرائيل على غور الأردن، وهو موقف يحظى بإجماع القوى السياسية والحزبية. بعد ذلك، يستطيع اليمين الإسرائيلي أن يتباهى بأنه استطاع الاستفادة إلى أقصى الحدود من اتفاق أوسلو الذي عارضه، ووجّه ضربة قاضية إلى كل المسارات السياسية التي كان يفترض أن تليه وتستند إليه. وينبع الرهان الإسرائيلي في هذا الموقف من تقدير مفاده أن العرب سيتكيّفون مع السقف الجديد الذي فرضه، كما سبق أن تكيّفوا مع الاحتلال الإسرائيلي للمناطق المحتلة عام 1948، وأخرجوها من نطاق المفاوضات.